من آثار الإيمان باليوم الآخر في ضوء القرآن
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد
فإن تعلق العبد بالدنيا واحتواءها لمشاعره يكسبه كثيراً من آفات النفوس كالطمع والجشع والبخل والكبر والغرور وما ينتج عن ذلك من إعراض عن الحق وأكل لمال اليتيم ومنع للزكوات والنفقات الواجبة وإخلال بالأمانة ومن ذلك ما نراه ونسمعه من بعض من ينتسب إلى العلم من تلبيس للحق بالباطل وإصدار لبعض الفتاوى العجيبة التي لم يسبق لها مثيل والله المستعان ، وكالفساد الإداري الذي بات ينخر في بعض الجهات الرسمية وما حادثة سيول جدة التي حدثت يوم الاربعاء الماضي عنا ببعيد؛ لذا كان لابد لهذه الآفات من علاج وأعظم علاج هو التربية على الإيمان باليوم الآخر لعظيم الآثار المترتبة على ذلك ، والمتأمل للقرآن يجد أن الله كثيراً ما يربي رسوله وصحبه الكرام على التعلق باليوم الآخر لأنه يستل سخائم النفوس ويظهر كمائن الخير فيها ولعلي أذكر نبذاً من ذلك
:
1-قال تعالى (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ1 الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ2 يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ3 كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ4 وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ5 نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ6 الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ7 إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ8 فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ9)
فهذه السورة الكريمة عالجت آفة الغرور والكبرياء وازدراء الناس التي تعتري مرضى القلوب نتيجة ما وهبهم الله من كثرة المال بتذكر النار التي أعدها الله لكل من طغى وبغى .


2-قال تعالى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ1 حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ2 كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ3 ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ4 كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ5 لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ6 ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ7 ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ8 )
المتأمل لهذه السورة يدرك أن الله ذم آفة التكاثر سواء كان بالمال أو الجاه أو النسب أو العلم بل إن ابن القيم ذكر أن أقبح أنواع التكاثر هو التكاثر بالعلم لأن العلم عبادة يجب أن تصرف لله وحده فإذا أريد به عرضاً من الدنيا كان من أحط الأعمال وأسوئها وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه قال قال رسول الله ( أول من تسعر بهم النار ثلاثة وذكر منهم رجل تعلم العلم وعلمه ليقال هو عالم ) .
3-قال تعالى : (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ6 وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ7 وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ8 أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ9 وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ10 إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ11) .
فالملاحظ لهذه الآيات يتجلى له بوضوح أن ربنا جل في علاه عالج الإسراف في حب المال وهو ذلك الحب الذي يحمل صاحبه على منع الحقوق الواجبة عليه بتذكر يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور ، نعم إن الغفلة عن الدار الآخرة يكسب الإنسان خصالا ذميمة كالشح والأثرة، وكم سمعنا من إنسان منع موليته من الزواج حتى يستمتع براتبها وكم سمعنا بأب وابنه وأخ وأخيه اختلفوا وحصل بينهم تقاطع بسبب المال .
يا إخوتي هل هذه المواقف تحصل من شخص تستولي على مشاعره وأحاسيسه ذكر الآخرة ؟ لا أعتقد ذلك. إن صحابة رسول الله حينما كان همهم الآخرة ضحوا بأرواحهم وأموالهم فداء لهذا الدين وآثروا بما عندهم لإخوانهم فضلاً عمن تربطهم بهم قرابة الدين والدم قال تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّءو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
4-قال الله تعالى : كَلا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى6 أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى7 إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى8 ) .
هذه الآيات تحكي حال من ابتلي بداء الطغيان وهو مرض فتاك ربما أصاب صاحبه في مقتل فمات على الكفر والعياذ بالله ، ولنا في قصة جبلة بن الأيهم وهو أحد ملوك الغساسنه خير مثال حينما ارتد عن الدين بسبب حكم عمر رضي الله تعالى عنه بأن يقتص منه لرجل من عامة المسلمين .
إن الطاغي الذي يتكبر ويتجبر على الإيمان والإنقياد للحق بسبب استغنائه بما أمده الله من المال والبنين والجاه عاقبته إلى وبال وأمره في سفال وعلاجه في تذكره النهاية التي سيؤول إليها فكيف سيكون حاله إذا وقف بين يدي باريه وهو الذي طالما استطال وتجاوز بمعاصيه .
والخلاصة أن هذه الآيات أشارت إلى أن علاج الطغيان يكمن في تذكره بأن المرجع والمآب إلى الله .
5-قال تعالى (فأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ15 وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ16 كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ17 وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ18 وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً19 وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً20 كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً21 وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً22 وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى23 يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي24 فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ25 وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ26 يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ27 ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً28 فَادْخُلِي فِي عِبَادِي29 وَادْخُلِي جَنَّتِي30 )
أخبرنا الله في هذه الآيات عن بعض الآفات التي تعتري النفوس حينما يغيب أو يضعف فيها الإيمان باليوم الآخر كالغرور أو التسخط على المقدور ومنشأ هذه السلوكيات الفاسدة هو في التصور الخاطئ حينما يظن أن عطايا الله الدنيوية دليل على محبة الله وإكرامه وأن تضييق الرزق وقبضه على بعض عباده أمارة على مهانتهم عند الرب ، وأيضاً فقد نصت هذه الآيات على أخلاقيات مهينة تنبئ عن شح في النفوس ومرض في القلوب كالتخلي عن إكرام اليتيم وعدم التواصي على إطعام المسكين وأكل ميراث النساء والصبيان وحب المال حباً ذريعا حتى يفضي بصاحبه إلى منع الحقوق المالية الواجبة عليه. وشريعتنا الغراء تحرص على أن يسود بين أفرادها التكافل والتعاطف والتراحم وأن لا يكون هم أحدهم مقتصراً على شؤون نفسه لا يبالي بما يقع لأخوانه من ضنك العيش وضيقه ، وعلاج ما ذكرت من الآفات هو في التذكر لليوم الآخر يوم تدك الأرض ويجيء الجبار والملك صفا صفا وتقاد جهنم إلى أرض المحشر بسبعين ألف زمام في كل زمام سبعون ألف ملك .
وختاماً : أذكر الأخوة جميعاً أن الرعيل الأول حينما سيطر على قلوبهم ذكر اليوم الآخر وحرصوا على تزكية نفوسهم سادوا الأمم وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها ، وأعتقد أن أزمة العالم الإسلامي في الوقت الحالي هو ضعف العقيدة والبعد عن أخلاق الإسلام الرفيعة قبل أن يكون ضعفاً في القوة المادية ، فإذا أردنا أن نرجع إلى الأمة مجدها وسؤددها فلنحيي بينا التربية الإيمانية والأخلاقية قبل كل شيء وصلى الله وسلم على نبينا محمد.