حوار : إسراء البدر .

إذاعة القرآن الكريم في أستراليا مشروعٌ دعَوِي رائد ومتميِّز - بفضل الله - في مجتمع المهجر، ويؤدِّي دورًا فاعلاً، وله حضور كبير لدى الجالية العربيَّة والإسلامية، كما له حضور بين المؤسَّسات الإعلاميَّة الأستراليَّة، وكذلك مؤسَّسات الدولة؛ لِمَا تتميَّز به الإذاعة مِن تفاعُل اجتماعي مع شرائح المجتمع بِمُختلف أنواعهم.

وقد كان لِمَوقع الألوكة هذا الحوارُ مع مدير الإذاعة، فضيلة الأستاذ الدكتور/ إبراهيم أبو محمد:

س - من أين انبثَقَتْ فكرة تأسيس إذاعة القرآنالكريم؟ ومتى انطلقت الإذاعة؟
القارة الأسترالية من أكثر القارات احتياجًا إلى دعوة الإسلام؛ نظرًا إلى تعدُّد الثقافات، وتعدُّد اللغات والجنسيَّات، التي يتكوَّن منها المجتمع الأسترالي، والمسلمون هنا مليون مسلم، ويتزايدون بفضل الله - - وأغلبهم يَقْطنون مدينة سدني، ونسبة كبيرة منهم من أصل عرَبِي، ويتحدَّثون اللُّغة العربية، خاصَّة جيل الآباء، أمَّا الجيل الجديد فلا يتكلَّم اللُّغة العربية، وإذا تكلَّم بِها فبِلَكْنة غربيَّة وغريبة معًا، رغم جذورِه العربية والإسلامية، وإلى عَهْد قريب جدًّا وللأسف الشديد، لا توجد وسيلة دَعْوة إسلاميَّة فعالة تَنْقل كلمة الله إلى الناس في بيوتِهم وأماكنِ تواجُدِهم، اللهم إلاَّ بعض المساجد التي تقوم بِدَور توجيهي وإرشادي لا بأس به، ولكنه غير منظَّم بشكل صحيح، وتشوبه العشوائيَّة، بالإضافة إلى أن لغة الخطاب موجَّهة إلى جيل الآباء، وليس إلى جيل الأبناء، ومن هنا كانت خسارة المسلمين فادحةً؛ لأنَّ الهجرة كلَّفَتْهم أعزَّ ما يَمْلكون، وسلبَتْ منهم أغلى وأعلى رأس مالٍ لدَيْهم، ألا وهم الأبناء.

لكل هذه الأسباب تلاقَتْ إرادة الخَيْر لدى إخوة هنا، أحسُّوا أن الزمن يَمُرُّ، وأن العمر ينقضي، وأن واجب الإسلام عليهم لم يُؤَدَّ في هذا البلد، لا على مستوى الأبناء في الداخل، ولا على مستوى تبليغ الدعوة لغير المسلمين في الخارج، ومن هنا كانت الحاجة ماسَّة إلى وسيلة وآليَّة تؤدِّي هذا الدور، وقد انطلقَت الإذاعة منذ عام 1997.

س - مِن أين حصلتم على الدعم في التأسيس؟ وكيف يُمكنكم تأمين احتياجاتكم المادِّية للإذاعة؟ وهل يوجد مَن يقدِّم الدعم لكم؟
الإذاعة منذ بدأَتْ قائمةٌ بِجُهود ذاتية، ولم تتلقَّ دعْمًا من أيَّة دولة، بل يتولَّى الإنفاقَ عليها خلال السنوات الاثنتَيْ عشرة الماضية مجموعةٌ من الأفراد يعدُّون على أصابع اليد الواحدة، ومؤخَّرًا بدأ المستمعون يشاركون ببعض التبَرُّعات المحدودة؛ لدعم الإذاعة، جزاهم الله خيرًا.

س - ما الهدف من إنشاء الإذاعة؟ ولِمَن هي موجَّهة؟ وبأيِّ لغة تتحدَّث؟
الهدف من إنشاء إذاعة القرآن الكريم هو تأدية دورٍ دعوي على صعيدَيْن:
داخليًّا: بتوصيل كلمة الله إلى كلِّ مكان يتواجد فيه المسلمون؛ في البيت، وفي السيارة، وفي مَحلِّ التِّجارة، وتصل إلى كلِّ الشَّرائح، وتخاطب كلَّ المستويات وباللُّغتَيْن العربية والإنجليزية.

وخارجيًّا: وذلك عن طريق تعريف غير المسلمين بالإسلام، وعَرْض ما فيه من قِيَم ومبادئ تُخلِّص الإنسانية من الإحساس بالقلق، وتَجْعل لحياتهم هدفًا ومعنًى، وتُحِيل وجودهم المملوء بالعبث والملل إلى وجودٍ رسالي يهدي الدُّنيا أَجْمل ما فقدَتْه الدنيا حين غاب عنها الإيمانُ بالله، وفي الوقت نفسه تصحِّح الصُّورة المشوَّهة وتصوِّب الأفكار الخاطئة، والتي أَسْهم الإعلام الغربِيُّ في ترسيخها، واستغلَّ خلالَها خلُوَّ الساحة من إعلام إسلامي جادٍّ يتولَّى شرح الحقائق، ويردُّ عن دين الله وعن المسلمين تُهمة الشَّراسة والعدوان، وفي نفس الوقت تُحاول الإذاعة بِبَرامِجها الموجَّهة باللُّغة الإنجليزية أن تبنِيَ جسورًا بين الْمُواطن الغربي من غير المسلمين؛ باعتباره ضحيَّةَ التعصُّب الإعلاميِّ، والغشِّ الثَّقافي، ومِن ثَمَّ فنحن لا ننظر إليه كخَصْم لنا، وإنَّما ننظر إليه كضحيَّة أمثالنا؛ ولذلك نُحاول التواصُل معه، ونشرح له الحقائق بِلُغته، ورصيد الفطرة لدَيْه يَجْعله ينحاز في كثيرٍ مِنَ الأحيان إلى جانب الحقائق، ومِنْ ثَمَّ تعدل المواقف، وينتقل مِن مربع الخصم إلى مربع الْمُساعد والمساند والصَّديق.

س - ما طريقةُ بثِّكم؟ وهل هو على مستوى بثٍّ عالي الجودة أم متوسِّطِها؟ وكم ساعةً تبثُّونَها؟
إذاعة القرآن الكريم في أستراليا تبثُّ برامِجَها على موجة (VHF173)، ويمكن التقاطها على التلفزيون - الفضائية ستلايت (UBI 31)، وهي تغطِّي كافَّة أنْحاء أستراليا ونيوزيلندا، وقسْمًا من جنوب شرق آسيا.

ومنذ خَمْسة أعوام وُضعَتْ إذاعة القرآن الكريم على الإنترنت: www.qkradio.com.au؛ لتكون الإذاعة متاحة لكلِّ من يريد في جميع أنحاء العالم.

بعد ذلك تَمَّ ابتكارُ جهاز ينقل البثَّ من الموجة الحالية (VHF173) إلى الموجة 103:6 FM؛ حيث يصل الإرسال إلى مناطق بعيدة في "سيدني" لا تَصِلها موجة البثِّ العادية، وأصبح من الممكن سَماعُها في أيِّ مكان في "سيدني"، وفي بعض المناطق القريبة منها.

وبفضل الله تعالى مستوى البثِّ عالي الجودة، وإذاعة القرآن الكريم تبثُّ برامِجَها على مدار 24 ساعة منذ افتتاحها.

س - ما الذي تُقَدِّمه الإذاعةُ لإيصال القرآن الكريم؟ وهل التواصل يكون مع المسلمين أم هناك تواصلٌ مع غيرهم أيضًا؟
بالإضافة إلى تقديم خَتْمة شهريَّة خلال وَقْت النَّهار بِمَقدار جزء يوميٍّ، وكل شهر بصوت شيخٍ مُختلف من أشْهَر القُرَّاء، وختمة أخرى خلال وقت اللَّيل، تقدِّم إذاعة القرآن الكريم برنامَجَيْن من أنجح البرامج في الإذاعة:
الأول: للصِّغار، وهو برنامج: "براعم القرآن الكريم"، وهو برنامج مباشر على الْهواء يعلِّم الصِّغار أحكامَ تَجويد القرآن الكريم، والقاعدة النُّورانية، ويصحِّح لهم القراءة حيث تتلقَّى مقدِّمة البرنامج اتصالاتِهم عَبْر الهاتف، وتستمع إليهم، وتصحِّح لهم القراءة، بعد أن تشرح لَهم حكمًا من أحكام القراءة في بداية الحَلْقة.
الثاني: للكبار، وهو برنامج: "في رحاب القرآن الكريم"، وهو على نفس نسَقِ البَرْنامج الآخَر، ولكنَّه للكبار.

وهذان البرنامَجان يلقيان إقبالاً كثيفًا من المستمعين من الجنسَيْن ومن كلِّ الأعمار، وحلقات البرنامج تُذاع 3 مرات كلَّ أسبوع على الهواء مُباشرة.

هذا بالنسبة للعرب والمسلمين، أمَّا بالنِّسبة لغير العرب، أو للذين لا يعرفون العربيَّة من المسلمين وغيرهم، فإنَّ إذاعة القرآن الكريم تُقَدِّم لهم فِقْرة يوميَّة، عبارة عن تلاوةٍ من القرآن بِصَوت شيخٍ من المشايخ، تَتْبعها ترجمةٌ إلى اللُّغة الإنجليزية لِمَعنى كلِّ آية.

هذا عدا برامج تفسير القرآن الكريم باللُّغتَيْن العربيَّة والإنجليزية، وكذلك دروس في الفقه والسِّيرة والعقيدة، وغير ذلك.

س - كيف ترَوْن الإقبال والتَّفاعل مع الإذاعة في أستراليا؟ وهل هناك قنوات تلفزيونيَّة على نفس النسق تُقَدَّم لخدمة الإسلام؟
بفضل الله تعالى هناك إقبالٌ كبير على سَماع إذاعة القرآن الكريم، والتَّفاعُل معها من قِبَل العرب وغير العرَب، ونرى ذلك من خلال مشاركاتِهم في البرامج الحيَّة التي نقدِّمها على مدار الأسبوع.

وليستْ هناك قناةٌ تلفزيونيَّة إسلامية في أستراليا كلِّها، ونَأْمل - بإذن الله تعالى - أن نتمكَّن من الوصول إلى محطَّة تلفزيونية إسلامية في يوم من الأيام.

س - ما طبيعةُ البرامج التي تقدَّم من قِبَل الإذاعة؟ وهل هي فقط تخصُّ القرآنَ الكريم أم تتطرَّق إلى جوانِبَ أخرى؟
البَرامج التي تبثُّها إذاعة القرآن الكريم كلُّها برامج هادفة ومفيدة ومنوَّعة، وتشمل كلَّ نواحي الحياة، على رأسها رفْعُ الأَذان خَمْسَ مرَّات في اليوم، وبرامج تعليم وتفسير القرآن الكريم، بالإضافة إلى برامج الفِقْه والسِّيرة، وبرامج ثقافيَّة وترفيهية، وبرامج تَخُصُّ الأسرة والمجتمع الأسترالِيَّ والنَّشرات الإخباريَّة المَحليَّة والعالَميَّة وغيرها من البرامج الهادفة، وكلها باللُّغتَيْن العربية والإنجليزية.

ويبلغ عدد ساعات البثِّ اليومي المباشر على الهواء مباشرة حوالَيْ 7 ساعات يوميًّا، موزَّعة على مَجْموعة من البرامج المنوَّعة، ما بَيْن برامج طبِّية واجتماعيَّة وتوجيهيَّة وأُسَريَّة، وبرامج خاصَّة بالطِّفل والمرأة.

س - هل أسْهَمت الإذاعةُ في دخول بعض الأستراليِّين إلى الإسلام؟ وكم يُقَدَّر عددهم؟
الحمد لله وبِفَضله تعالى أسْهَمَت إذاعة القرآن الكريم - وما زالت تُسْهِم - في دخول الكثير من الأستراليِّين إلى الإسلام، ولا يمكن تقديرُ عدَدِهم؛ حيث إنَّ هناك مَن نَعْلمهم ومن لا نعلمهم، وهناك مَن يُسْلِم ويذهب لِيَنشر الدَّعوة بين أهله وأصدقائه، فيَهْدي به الله من يَشاء إلى هذا الدِّين الحق.

س - بعد الإذاعة ماذا تطمحون في الوصول إليه في جوانب الإعلام لِخِدمة الإسلام والمسلمين؟
كما ذكرنا سابقًا نَطْمح بعون الله تعالى في الوصول إلى محطَّة تليفزيونيَّة إسلاميَّة، تعمل لِخِدمة الإسلام والمسلمين في أستراليا، وفي جميع أنحاء العالَم.

س - كلمة يحب أن يوجِّهَها رئيس إذاعة القرآنالكريم من خلال هذا الحوار, ما فَحْواها؟ ولِمَن توجَّه؟
نشكركم على هذا الحوار، ونقول لكلِّ من يستمع إلينا، ولكلِّ من تَصِلُهم كلمتُنا: "النَّاس في الدُّنيا ثلاثة:
تافِهٌ، يرتفع كما ترتفع الفقاقيع.
وسافل، يَرْسُب كما يرسب الطِّين.
ومُجاهد، يبحث عن الحقِّ في مُحيط الحق، يَعْلو تارة، ويهبط أخرى، ألا وإنَّ رَجُل الحقِّ لَمُثاب، إنْ سقَط فله أجْرُ الجهاد، وإن علا فقد توَّجَتْه يد الله.

فاجتَهِد - عزيزي القارئ - أنت وكلُّ مَن يسمعنا أو تصل إليه كلماتُنا، ألاَّ تكون من الصِّنف الأوَّل أو الثَّاني، واعمل جاهدًا، وارفع هِمَّتَك العالية؛ لتكون من النوع الثالث، ولا تَرْضَ بدون ذلك مكانة ومَنْزلة.

ونسأل الله - - أن يُعيننا وإيَّاكم على فِعْل الخير دائمًا، وأن يتقبَّل منا ومنكم ما نُقَدِّمه لخدمة الإسلام والمسلمين، حتَّى تَصِل دعوة الحقِّ إلى قلوب الناس جَميعًا رَحْمةً للعالَمين.
أجْرَت الحوار: إسراء البدر

تعريف بالأستاذ الدكتور إبراهيم أبو محمد:
عالِم ومفكِّر وكاتب معروف، وُلِد في مصر، وحصل على الدكتوراه من جامعة الأزهر الشريف.
وهو عضْو فعَّال في الاتِّحاد العالمي لعلماء المسلمين.
وعضوٌ في اللجنة التنفيذية للرابطة العالميَّة لخرِّيجي الأزهر.
وعضو اتِّحاد الكُتَّاب الأفروآسيوي.
وعضو لجنة العلاقات الخارجيَّة في رابطة الجامعات الإسلاميَّة.
وهو أيضًا رئيس المؤسَّسة الأسترالية للثقافة الإسلامية في "سيدني" أستراليا.
ومستشار مؤسسة التمويل والاستثمار الإسلامي في أستراليا.
له كتب ومؤلَّفات كثيرة، تُرْجِم عددٌ منها إلى لغات متعدِّدة؛ منها: الإنجليزيَّة والفرنسيَّة والألمانية والإيطالية، وتنشر له مقالاتٌ في عدد من الجرائد اليوميَّة والدوريَّات المعروفة، وله مقال أسبوعي يُنْشَر في جريدة "المصريُّون" الإلكترونيَّة.

المصدر : شبكة الألوكة .