جمع الظلمات وإفراد النور وجمع سبل الباطل وإفراد سبل الحق وجمع الشمائل وإفراد اليمين: [align=justify]

أما الأول: فكقوله:"الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور".الأنعام (1)
وأما الثاني: فكقوله:"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله". الأنعام (153)
وأما الثالث: فكقوله:"يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل". النحل(48)
والجواب:
عنها يخرج من مشكاة واحدة وسر ذلك والله أعلم أن طريق الحق واحد وهو على الواحد للأحد كما قال تعالى" هذا صراط علي مستقيم". الحجر(41), قال مجاهد:الحق طريقه على الله ويرجع إليه كما يقال طريقك علي , ونظيره قوله:"وعلى الله قصد السبيل" النحل(9), في أصح القولين أي:السبيل القصد الذي يوصل إلى الله وهي طريق عليه, قال الشاعر:
فهن المنايا أي واد سلكنه ... عليها طريقي أو علي طريقها
وقد قررت هذا المعنى وبينت شواهده من القرآن وسر كون الصراط المستقيم على الله وكونه تعالى على الصراط المستقيم كما في قول هود:"إن ربي على صراط مستقيم".هود (56) في كتاب" التحفة المكية"
والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق, وطرق الباطل متشعبة متعددة, فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق, وطريق الحق بمنزلة الطريق الموصل إلى المقصود, فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد ما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق, فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله:" والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات". هود (257), فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم, وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه
ولما كانت اليمين جهة الخير والفلاح وأهلها هم الناجون أفردت, ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله:" عن اليمين والشمائل". النحل(48)
فإن قيل فهلا كذلك في قوله:" وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال". الواقعة (48) وما بالها جاءت مفردة.
قيل جاءت مفردة لأن المراد أهل هذه الجهة ومصيرهم ومآلهم إلى جهة واحدة, وهي جهة الشمال مستقر أهل النار والنار من جهة الشمال, فلا يحسن مجيئها مجموعة لأن الطرق الباطلة وإن تعددت فغايتها المرد إلى طريق الجحيم وهي جهة الشمال, وكذلك مجيئها مفردة في قوله:" عن اليمين وعن الشمال قعيد". ق (17), لما كان المراد أن لكل عبد قعيدين قعيدا عن يمينه وقعيدا عن شماله يحصيان عليه الخير والشر, فلكل عبد من يختص بيمينه وشماله من الحفظة فلا معنى للجمع ههنا, وهذا بخلاف قوله تعالى حكاية عن إبليس:" ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم". الأعراف (17), فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد واحد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله, ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم, بل الجمع ههنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضى توزيع الأفراد, ونظيره:" فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق". المائدة (6), وقد قال بعض الناس:إن الشمال إنما جمعت في الظلال وأفرد اليمين لأن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول يبدو كذلك ظلا واحدا من جهة اليمين ,ثم يأخذ في النقصان, وأما إذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئا فشيئا ,والثاني منه غير الأول فلما زاد منه شيئا فهو غير ما كان قبله فصار كل جزء منه كأنه ظل فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال وهذا معنى حسن.
[/align]