كتاب الله العظيم هو الأساس الأقوى والمصدر الأوثق لعلوم اللغة العربية جميعها، إلى جانب كونه كتاب هداية ورحمة، فما من أحد نهض لخدمة القرآن الكريم عامّة، ولواحد من علوم النحو والبيان واللغة العربية خاصة، إلاّ لزمه الإحاطة بالأساليب القرآنية والفهم الدقيق لها .
والتتبع لأساليب القرآن واستقراؤها قد يؤدي إلى أحكام وقواعد عامة، والتصريح بمثل تلك الأحكام ليس بدعا من بدع القول، فهذا إمام المفسرين عبد الله بن عباس نقل عنه أنه قال : ’’ ما كان في القرآن - أو- فصاحبه بالخيار ‘‘ [1]
وممن امتاز من بين النحاة والمقسرين بالعناية بمثل ذلك الاستقراء والإحاطة ابن هشام الأنصاري فإن الدارس لكتبه ولا سيما أشهر وأجلّ كتبه مغني اللبيب، وكتابه شرح شذور الذهب يجد ذلك جليّا.
ولا غرابة فإن ابن هشام من أبرز النحاة وأكثرهم اعتمادا على القرآن الكريم ، خاصة في مغني اللبيب، فهو كما يرى الدكتور علي فودة النيل، أقامه على استعمالات القرآن [2]، وقد ألّفه كما يرى الشيخ أمين أحسن الإصلاحي للإرشاد في حلّ مشكلات القرآن والحديث النحوية [3].
ويلاحظ القارئ أن ابن هشام يكون أكثر فرحا وسرورا حين يظفر بشاهد من القرآن لم يظفر به في علمه أحد غيره، فهو يعيش بالأمثلة القرآنية ويراها أجمل اكتشافاته.
يقول في موضع والبحث يجري في كلمة – لو - : وقد وجدت آية في التنزيل وقع فيها الخبر اسما مشتقا ولم ينتبه لها الزمخشري كما لم ينتبه لآية لقمان ولا ابن الحاجب وإن لما منع من ذلك، ولا ابن مالك وإلا لما استدل بالشعر، وهي قوله تعالى ( يودّ لو أنهم بادون في الأعراب ) الأحزاب 203 ، ووجدت آية الخبر فيها ظرف لغو، وهي ( لو أنّ عندنا ذكرا من الأولين ) الصافات 168 [4]. وفي موضع آخر: وهذان الموطنان خطرا لي قديما ولم أرهما لغيري.[5]
وابن هشام حين يصدر الحكم الكلي عن أسلوب قرآني فإنه يفعل ذلك بعد التتبع الدقيق الشامل لجميع القراءات الشاذّة والمتواترة ، فمثلا نقل عنه الشيخ خالد الأزهري أنه قال في قضية من قضايا صيغ فعل الشرط وجوابه، فتتبعت ما ورد به التنزيل من ذلك فإذا فعل الشرط فيه كلمة – كان - .[6]
وهنا أودّ أن أسرد ما ظفرت به من الأحكام الاستقرائية العامة التي ذكرها في ثنايا أبحاث نحوية في كتبه:
· من معاني الهمزة النداء والاستفهام .
يقول : وقد أجيز الوجهان في قراءة الحرميين ( أمَنْ هو قانت آناء الليل ) الزمر 9، وكون الهمزة فيه للنداء هو قول الفراء، ويبعده أنه ليس في التنزيل نداء بغير ياء.[7]
· خبر إذا الفجائية .
يقول: ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرّحا به. نحو ( فإذا هي حية تسعى )[8].
· لدن .
يقول: جرّها بمن أكثر من نصبها حتى إنها لم تجئ في التنزيل منصوبة.[9]
· واو المفعول معه .
يقول: لم يأت في التنزيل بيقين.[10]
· وقف واجب .
يقول: الصواب أنه ليس في القرآن وقف واجب.[11]
· زعم .
يقول: قولهم في ( أين شركائي الذين كنتم تزعمون ) القصص 62 .: إن التقدير، تزعمونهم شركاء، والأولى أن يقدّر تزعمون أنهم شركاء، بدليل ( وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ) الأنعام 94، ولأن الغالب على زعم أن لا يقع على المفعولين صريحا ، بل على أن ، وصلتها ، ولم يقع في التنزيل إلا كذلك.[12]
· الخبر بعد ما .
يقول: قولهم في نحو ( وما ربك بظلام )، ( وما الله بغافل ): إن المجرور في موضع نصب، أو رفع على الحجازية والتميمية، والصواب الأول لأن الخبر بعد ما، لم يجئ في التنزيل مجردا من الباء إلا وهو منصوب.[13]
· سنون .
يقول: لم تقع في القرآن مرفوعة. [14]
· تركيب الأحوال والظروف.
يقول: لم يقع في التنزيل تركيب الأحوال ولا تركيب الظروف وإنما وقع فيه تركيب الأعداد.[15]
· فَعَالِ
يقول: لم يقع في التزيل فعال أمرا إلا في قراءة الحسن ( لا مَسَاسِ ) بفتح الميم وكسر السين.[16]
· رفع اسم التفضيل معمولا ظاهرا مثل مسئلة الكحل .
يقول: لم يقع هذا التركيب في التنزيل.[17]
· الكلمة.
يقول: في الكلمة ثلاث لغات ولها معنيان، أما لغاتها فكلمة على وزن نبقة وهي الفصحى ولغة أهل الحجاز، وبها جاء التنزيل.[18]
· أفعال الشروع .
يقول: وطفق أشهرها وهي التي وقعت في التنزيل وذلك في موضعين.[19]
· ما العاملة عمل ليس.
يذكر ثلاثة أمثلة ثم يقول: ولم يقع في القرآن إعمال ما صريحا في غير هذه المواضع الثلاثة.[20]
· وصل الضمير .
يقول ابن هشام في صورة أن يكون هناك ضميران، أولهما أعرف من الثاني، وليس مرفوعا، واتفقوا على أن الوصل أرجح في الصورة الأولى إذا لم يكن الفعل قلبيا، نحو سلنيه وأعطنيه، ولذلك لم يأت في التنزيل إلا به، كقوله تعالى ( أنلزمكموها ).[21]
· اعتراض الشرط على الشرط .
ذكر متالين ثم قال: وهذان الموطنان خطرا لي قديما ولم أرهما لغيري.[22]
· فعل الشرط وجوابه .
من صيغ فعل الشرط وجوابه أن يكون الأول ماضيا، والثاني مضارعا، نحو قوله تعالى ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ) الشورى 20. نقل عن ابن هشام أنه قال في هذا الصدد: فتتبعت ما ورد به التنزيل من ذلك فإذا فعل الشرط فيه كلمة كان.[23]
فهذه هي الأحكام العامة التي ذكرها ابن هشام بعد الاستقراء الدقيق للأساليب القرآنية، ثم هناك موقف آخر لابن هشام تجاه أحكام عامة ذكرها من سبقه من النحاة، فقام ابن هشام بردّ بعضها بذكر أمثلة تقدح في تلك، وإقرار بعض منها، وأورد هنا نماذج من ذلك:
· حرف بل.
يقول: بل حرف إضراب، فإن تلاها جملة كان معنى الاضراب، إما الإبطال نحو ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ) أي بل هم عباد، ونحو ( أم يقولون به جِنة بل جاءهم بالحق ) وإمّا الانتقال من غرض إلى غرض، ووهم ابن مالك إذ زعم في شرح كافيته أنها لاتقع في التنزيل إلا على هذا الوجه، ومثاله ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا ).[24]
· حرف كلا .
يقول: ...حتى قال جماعة منهم: متى سمعت كلا في سورة فاحكم بأنها مكية، لأن فيها معنى التهديد والوعيد وأكثر ما نزل ذلك بمكة، لأن أكثر العتوّ كان بها. وفيه نظر، لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتو بها، لا عن غلبته، ثم لا يمتنع الاشارة إلى عتوّ سابق، ثم لا يظهر معنى الزجر في كلا المسبوقة بنحو ( في أي صورة ما شاء ركّبك )، ( يوم يقوم الناس لرب العالمين )، ( ثم إن علينا بيانه )، وقولهم: المعنى: انتبه عن ترك الإيمان بالتصوير في أي صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن، تعسف. إذ لم يتقدم في الأولين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين كلا وذكر العجلة، وأيضا فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العلق ثم نزل كلا إن الانسان ليطغى فجاءت في افتتاح الكلام، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا كلها في النصف الأخير.[25]
ومن مواقف ابن هشام في هذا الاتجاه أن يرى أحدا من النحاة يمنع من تركيب أو يحكم على أسلوب أنه شاذ، ويجد ابن هشام بتتبعه وإحاطته ما يعارض ذلك من أمثلة قرآنية، فيبادر بالتنبيه مستدلا باستقرائه، وأمثلة ذلك منتشرة في كتبه إلا أنني أكتفي ببعضها.
· في تخطي عمل العامل بعد لام الابتداء .
يقول: وهم بدرالدين بن مالك فمنع من ذلك، والوارد منه في التنزيل كثير، نحو ( إن ربهم بهم يومئذ لخبير ).[26]
· إن النافية.
يقول بعد ذكر آيات: قول بعضهم: لا تأتي إن النافية إلا وبعدها إلا كهذه الآيات، أو لمّا المشددة التي بمعناها كقراءة بعض السبعة ( إن كل نفس لمّا عليها حافظ ) بتشديد الميم، أي ما كل نفس إلا عليها حافظ. مردود بقوله تعالى ( إن عندكم من سلطان بهذا ) ( قل إن أدري أقريب ماتوعدون ) ( وإن أدري لعله فتنة لكم ).[27]
· الجملة الواقعة حالا.
يقول: ورابطها إما الواو والضمير نحو ( لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى )، أو الواو فقط نحو ( لئن أكله الذئب ونحن عصبة ) ونحو جاء زيد والشمس طالعة، أو الضمير فقط نحو ( ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ). وزعم الزمخشري في الثالثة أنها شاذّة نادرة، وليس كذلك لورودها في مواضع من التنزيل، نحو ( اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ) ...( والله يحكم لا معقّب لحكمه ) ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ) ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة ).[28]
وقد بلغ من إعجاب الباحثين وعلى رأسهم الشيخ أمين أحسن الإصلاحي بإحاطة ابن هشام بالأساليب القرآنية واعتماده الكثير على الأمثلة القرآنية في المغني، أن يرى أنه إذا لم يذكر ابن هشام شاهدا قرآنيا على قاعدة ما في المغني فيعني ذلك أنه ليس في القرآن مثال يطمئن إليه ابن هشام لتلك القاعدة فيكتفي بمثال من غير التنزيل.[29]
وهنا يحق لنا أن نتساءل، ما مدى قيمة هذا الاستقراء عند ابن هشام، هل هو دليل قاطع بمعنى أنه إذا ثبت أن أسلوبا ما لم يقع في التنزيل لايصح أن يقدّر ذلك في موضع من مواضع التنزيل تعددت فيه الأوجه المحتملة، ووجب حمل ذلك على الأسلوب الواقع في التنزيل.
نلاحظ عبر الأمثلة المذكورة أعلاه أنه دليل قوي إذا لم يكن هناك دليل أقوى منه وكثيرا ما ذكر ابن هشام ذلك لترجيح أحد الأوجه على غيرها، وكان محقا في ذلك، فإن ورود أسلوب ما في التنزيل على وجه واحد في مواضع عديدة يعطيه قوة وقيمة.
أما إذا وجد دليل آخر أقوى منه فالوجه له، ويوضح ذلك ما قاله في آية ( وإن كلا لما ليوفينهم ربك: واختار ابن الحاجب أنها لما الجازمة حذف فعلها، والتقدير: لما يهملوا أو لما يتركوا، لدلالة ما تقدم من قوله تعالى ( فمنهم شقي وسعيد ) ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم، قال: ولا أعرف وجها أشبه من هذا وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في التنزيل، والحق ألا يستبعد ذلك. ا ه
وابن هشام يقره على هذا الاستدلال، وإنما يخالفه في التقدير، فيقول: وفي تقديره نظر، والأولى عندي أن يقدّر، لما يوفوا أعمالهم، أي أنهم إلى الآن لم يوفوها وسيوفونها. [30]
وكذلك في معاني الهمزة حينما يبعد قول الفراء بدليل أنه ليس في التنزيل نداء بغير يا، ففي نفس الوقت يقربه بدليل سلامته من دعوى المجاز ومن دعوى كثرة الحذف.[31]
هذا وقد يكون من المفسرين من لا يكاد يوافقه على هذا النوع من الاستدلال ومثالا على ذلك أذكر الألوسي وهو اسم لامع بين المفسرين يقول: وادعى ابن هشام أن الأولى أن يقدر هنا الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي لأنه لم يقع الزعم في التنزيل على المفعولين الصريحين بل على أن وصلتها كقوله تعالى: الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء [ الأنعام : 94 ] وفيه نظر.[32]
وخلاصة القول أن ابن هشام بعنايته بأساليب القرآن وإحاطته بها، وتقديم أحكام عامة عنهاأهدى إلى الذين يهتمون بفصيح الكلام هدايا قيمة مشكورة، ولا شك أنه قضى مع القرآن الكريم جزءا عظيما من حياته أتى بذلك من كنوز القرآن شيئا عظيما.

[1]الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/ 152
[2]ابن هشام الأنصاري آثاره ومذهبه النحوي ، ص 483
[3]ترجمان القرآن الشهرية . ذي الحجة عام 1374 ه
[4]مغني اللبيب ص 357
[5]رسالة اعتراض الشرط على الشرط لابن هشام ، نقلا عن ابن هشام الأنصاري آثاره ومذهبه النحوي
[6]شرح التصريح لخالد الأزهري 2/ 249
[7]المغني ص 18
[8]المغني ص 121
[9]المغني ص 208
[10]المغني ص 471
[11]المغني ص 502
[12]المغني ص 774
[13]المغني ص 776
[14]شرح شذور الذهب ص 58
[15]شرح شذور الذهب ص 78
[16]شرح شذور الذهب ص 94
[17]شرح شذور الذهب ص 416
[18]شرح شذور الذهب ص 11
[19]شرح شذور الذهب ص 192
[20]شرح شذور الذهب ص 193 - 194
[21]شرح قطر الندى ص 132
[22]رسالة اعتراض الشرط على الشرط لابن هشام
[23]شرح التصريح 2 / 248 - 249
[24]المغني ص 152
[25]المغني ص 249
[26]المغني ص 305
[27]المغني ص 34
[28]المغني ص 656
[29]ترجمان القرآن الشهرية
[30]المغني ص 371
[31]المغني ص 18
[32] روح المعاني للألوسي: - (ج 15 / ص 167)