شريعة أمية لأمة أمية (2-2)

ومما يدفع كلام الشاطبى أن الصحابة أنفسهم ـ وهم من تلقوا الشريعة فى أصولها الأولى ـ لم يكونوا على قدر متساو فى الفهم .
بل تفاوتت مراتبهم،وأشكل على بعضهم ما ظهر لبعض آخر منهم،وهذا يرجع إلى تفاوتهم فى القوة العقلية، وتفاوتهم فى معرفة ما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، وأكثر من هذا، أنهم كانوا لا يتساوون فى معرفة المعانى التى وُضعت لها المفردات، فمن مفردات القرآن ما خفى معناه على بعض الصحابة، ولا ضَيْر فى هذا، فإن اللغة لا يحيط بها إلا معصوم، ولم يدَّع أحد أن كل فرد من أُمَّة يعرف جميع ألفاظ لغتها.
تعجب الشيخ الغزالى :
يرى الشيخ الغزالى أن أمية الأمة إنما كانت موقوتة وزالت عنها بعد تعلمها القراءة والكتابة ، فصارت تقرأ وتكتب وتحسب ، وهو ما قاله ابن تيمية من قبلـ وتعجب من الإصرار على مسألة أمية الشريعة ، والتمسك بحمل الأمية على الجهل بالقراءة والكتابة ، حيث قال :
هناك قضية هامة ، وهي : قضية أمية الأمة، وأمية الشريعة، التي أتى الشاطبي على ذكرها.. وهي قضية خطيرة، إذا أخذناها على إطلاقها فإنها تؤدي إلى محاصرة العقل.. فهل يُعقل أن تكون هذه " الأمية " خالدة ؟ أم أنها مرحلة مؤقتة، كان العرب عليها، ومن ثم انتهت وأصبحت الأمة تكتب وتحسب ؟ وأرى أن الأمة في مرحلة من حياتها، قد تكون أمية لا تقرأ ولا تكتب ولا تحسب، ثم يتغير حالها إلى مرحلة أخرى ، فتصبح أمة عالمة قارئة..فهل يمكن أن تبقى الأمة متوقفة على الوسائل الأمية في النظر والحكم والعلم ؟ الأمة اليوم أصبحت تقرأ وتكتب وتحسب ..فالتقرير على أن الأمية صفة قسرية أو ملازمة للأمة ، وأن الأحكام يجب أن تبقى مناسبة لمرحلة الأمية ، أظن أنه أمر يتعارض مع طبيعة الحياة وصيرورتها كما يتعارض مع خلود الرسالة وقدرتها على الاستجابة لدواعي العصر.
وأمر الإصرار من بعض العلماء على " الأمية " عجيب ! وهو ما أدى إلى التعسف والتوقف عند بعض المفهومات وعدم تجاوزها..
" إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب " ! لكن هل هذا يعني أن تبقى الأمة أبداً لا تقرأ، ولا تكتب، ولا تحسب ! وهل هذا يعني أيضاً أن نبقى بعيداً عن الكسب العلمي؟ وكانت أول آية نزلت تفرض التعلم والتحول إلى القراءة والكتابة ؟
والسؤال أيضاً: بعد نزول القرآن: هل تبقى الأمة أمية؟ لقد كانت أمة أمية، ثم جاء هذا العلم المزدوج المضاعف الكثير في كتاب الله، فكيف تبقى أمية بعده ؟ هذا مستحيل.
والسؤال هو : هل كلمة " أمية " التي وردت في الحديث نسبة للجهل أو الأمة ؟ فاليهود يرون أن " النبي أمي " تعني : النبي المبعوث من غيرهم، أو من بقية العالم .
ويخيل إلىّ أن المقصود " بالنبي الأمي " : النبي الذي خرج بعيداً عن الدائرة التي كان يؤخذ منها الأنبياء، وهي إسرائيل، وإن كان هناك أنبياء عرب ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ.
ولما سأل الرسول أبي بن كعب عن أفضل آية عنده قال: آية الكرسي. قال له " ليهنك العلم أبا المنذر ". أي ليكن العلم هنيئا لك ، ويقول تعالى : وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ
فالعلم هو صفة القرآن ... وصفة المشتغلين به. فكيف يقال : "إن الأمة أمية مع القرآن ؟ هذا مستحيل . والقرآن وجه لاقتحام أسوار الحياة والتغلغل في أسرارها، ومجال العلم الإلهي فيها والحكمة الإلهية فيها. فكيف يُقال : إن الرسالة أمية؟
ثم اقترح الشيخ أن يكون للكلام محمل آخر فقال : ألا يمكن أن يكون هناك أفق آخر للقضية ؟ وهو : أن التكاليف والعبادات وما إلى ذلك، يمكن أن تكون لها صفة العموم، وتشمل الناس جميعاً بمختلف مستوياتهم الفكرية والعلمية، والرسالة ميسرة لكل بحسب كسبه.
والخلاصة أن ما ذهب إليه الشاطبى فى أمية الشريعة غير مسلم له ، إذ لو سلمنا به لأفضى بنا إلى القول بأن رسالة النبي r كانت خاصة وليست عامة .