سورة الرعـــد سورة عظيمــــة من سورة القرآن فيهــا من أوجه البلاغـــة والإعجــاز الشيء الكثير ..
أنقل لكـم هنــا بعض الوقفـات التي وقفتهــــا في هذه السورة ..

ما كتبته هنــــا أرجو منه الفائدة لي ولمن يقرأه ..
كمــا أرجو أن يكون معــه تقييم لمــا كتب لاستدراك للأخطــاء الموجودة فيه .. وتوجيهـــات أتبعهــــا في المرات القـــادمة بحول من الله .. حتى يرتقي القلـــم في توثيق ما يقف عنده من آيـــات ..

شكر الله لكل من قرأ .. وعلق .. ووجه ..

وقفـــات في سورة الرعـــد ..


1) (أكثر من الأدلـة التي تؤيد الحق معــك )
هذا ما ذكره السعدي حين قـال : ( وكثرة الأدلة وبيـانهـا ووضوحهـا ، من أسبـاب حصول اليقين في جميع الأمور الإلهية ..) وهذه قـاعدة عـامة في الحوار مع أي شخص يخـالفك الرأي ، أكثر من بيـان الحجج والأدلـــــة ، كي يقتنع الشخص المخـالف لك برأيك فالله سبحـانه وتعـالى ذكر تسخيره للشمس والقمـر ، وتدبيره الأمـر ، فهو سبحـانه يخلق ويرزق ، ويغني ويفقر ، ويرسل ملائكته ، مد الأرض وخلق الجبـال وجعلهـا رواسي ، وأجرى الأنهــار وهكذا سبحــانه وتعـالى .

2)(أقبل على الله يقبل عليك )
في الآيــــة الخـامسة من السورة ( أؤلـئك الذين كفروا بربهـم ، وأؤلـئك الأغلال في أعنـاقهـم وأؤلـئك أصحـاب النـار هم فيهـا خـالدون ) ذكر مجموعة من المفسرين في تفسير ( الأغلال ) أي مقيدون بقيود الضلالة لا يرجى خلاصهم منهـا إذ أنهــم أسرفوا على أنفسهـم بالعصيــان والذنوب حتى أصبحت كالأغلال .. والغل في اللغــة هو القيد الذي يوضع في العنق ، وهو أشد التقييد . أخرج البخاري عن أبي واقد الليثي ـ - أن رسول الله ـ ـ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى النبي ـ ـ، وذهب واحد، قال فوقفا على رسول الله ـ ـ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، فأما الثالث فأدبر ذاهباً فلما فرغ الرسول ـ ـ قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه.
حال هؤلاء النفر هو حال الخلق أجمعين عندما يعرض لهم من أسباب الخير , فالخلق ما بين معرض ـ يجزيه الله إعراضاً بإعراض، وما بين مقبل مع ضعف في العزيمة ونقص في الإرادة فله من الخير على قدر ما في قلبه من إرادة الخير ، وما بين مقبل بكليته على ربه و قد صارت الآخرة هي همه والطاعة هي مقصده.
يقول ابن القيـــم في مدارج السـالكين ، في بيـــان ماللإقبــال على الله من فضل وفــائدة (في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته ، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته ، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه ، وفيه نيران حسرات لايطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه ، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه ، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا )

3) (ما على الرسول إلا البلاغ )
ليس للإنسـان من أنواع الهدايـات إلا هداية الدلالة والإرشـاد ،فنحن مطـالبين ببيـان الأمر للنـــاس فمن آمن فهذا فضل من الله ، ومن كفر فليتحمل نتيجة كفره : ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ )

4) (الله يعلـــم ما في نفســـك فلا تضمر إلا خيرا )
يقول الرب (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿8﴾
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿9﴾ ) ثم ذكر بعد هذه الآيـــة قوله : (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ )
فالله الذي علــم ما تحمله رحــم كل أنثى علمنــاها أو جهلنـاها ، هو من يعلــم ما في نفســـك من رغبـة في الخير ـ أو إدبـار عنـــه ، سواء أضمرته أو أعلنته ، استخفيت به أو أعلنتــــه .
وهو سبحــانه يوفق من علم منه صدق نيته ، ويرد من كذب عن الطريق الحق ، ومن صدق مع الله صدقــــه .

5) (الأصل هو حفظ الله للعبــد )
لكن العبد قد يغير على نفســه بسبب ذنوبــه فلنعلم أنه إذا نزلت المصائب على العبد أو شعر بعدم التوفيق في بعض الأمور فعليه أن يتهمّ نفسه ويراجع حاله مع الله فإنّه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، قال ابن القيم: ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا لسبب ذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب.
إذا كنت في نعمة فارعها* فإن الذنوب تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد* فرب العباد سريع النقم.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) يقول سيد قطب : (فهو يتعقبهم بالحفظة من أمره لمراقبة ما يحدثونه من تغيير بأنفسهم وأحوالهم فيرتب عليه الله تصرفه بهم . فإنه لا يغير نعمة أو بؤسى , ولا يغير عزا أو ذلة , ولا يغير مكانة أو مهانة . . . إلا أن يغير الناس من مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم , فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم . وإن كان الله يعلم ما سيكونمنهم قبل أن يكون . ولكن ما يقع عليهم يترتب على ما يكون منهم , ويجيء لاحقا له في الزمان بالقياس إليهم .
وإنها لحقيقة تلقي على البشر تبعة ثقيلة ; فقد قضت مشيئة الله وجرت بها سنته , أن تترتب مشيئة الله بالبشر على تصرف هؤلاء البشر ; وأن تنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم .)

6) (اخلاص النيــة من أهــم ما يعين على الصبر )
يقول الله تبـارك وتعـالى : ) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) يقول الشيخ السعدي : (ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه، طلبا لمرضاة ربه، ورجاء للقرب منه، والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان) ولا شيء يعين على الصبر على طـاعة الله أعظم من إخلاص النية فإن العبد إذا جعل رضى الله نصب عينيه هـانت عليه الدنيـــا بمــا فيهــا .

7) (الدين لا يتنـافى مع الدنيـــا )
فهؤلاء هم المرسلون على عظمتهـــم ، وعلى مشــاق الدعوة الموكلون بهــا يقول الله تعــــالى واصفـــا لهم . . (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً )إن هـذا لم يمنعهــم من الإستمتــاع من زهـرة الحيـاة الدنيـــا ومتعتهـا من الزوجـات والأولاد ، يقول الله تبـارك اسمه ( المـال والبنون زينـة الحيـاة الدنيـا )
وفي صحيح البخاري عن أنس قال : ( جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي , فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من النبي ! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا , وقال الآخر : إني أصوم الدهر فلا أفطر .
وقال الآخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج ; فجاء رسول الله إليهم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .

هذا ما تيسر ذكره هنـــــا .. والله تعـــالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينــا محمد ..

(جزاكم الله خيـرا )