قرأت في إحدى الصفحات قولَ بعضهم : ما رأيك برأي فلان من أهل العلـم في قول الله تعالى .. كذا وكذا ؟
فقد أتى بما لم يأت به الأولون !!
فنظرنا فإذا قول له سلف من أهل السداد والسبق ..
فأجاب قائلاً : تأملت أنا في الآية تأملاً جيِّدًا ففتح الله عليَّ مالم أجد له نظير من كلام أهل العلم حتى الآن !!
وكأني به أخذ يفتش منقِّبًا وهو يدعو الله تعالى أن لا يجد ما يوافق رأيه , وهو كذلك فحِفْظُ الله تعالى لكتابه
وما يُتأولُ به كتابُه يأبى أن يأتي من أهل هذه العصور من يفوقَ فهم صحابةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وأهلِ العصور الأولى ,ولو جمعتُ كلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين في الآية التي ذكر لرأيت جُلَّهم يتفق على المعنى في الجملة .
ولكنَّ الاغترار بالنفس والإعجاب بالرأي بتمثل قاعدة "خالف تعرف" قد أودى بكثير من طلاب العلم إلى المهلكة وضياع العلم النافع , ذلك أنهم فقدوا الاتباع فانساقوا خلف الابتداع , ولعلَّ بعضهم يحتج بقول الإمام أحمد : (ثلاثة لا أصل فيها : التفسير , والمغازي , والملاحم)
الجامع لأخلاق الراوي ( 2/ 162 ) ومعنى هذا كما قال الخطيب البغدادي : وهذا الكلام من أحمد محمول على وجه وهو أن المراد به كتب مخصوصة في هذه المعاني غير معتمد عليها ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مصنفيها وعدم عدالة ناقليها وزيادات القصاص فيها . اهـ وقيل غير ذلك ..
ولكن من يتناقل مثل هذا الكلام قد يريد به معنى آخر : وهو أنه ما دام ليس لها أصل بمعنى (طريق مسند) فباب الرأي مفتوح ..
وهذا كلام في غاية الشناعة على كتاب ربِّ العالمين ..
غير أن الجواب على هذا إن احتُجَّ به أن يقال :
أولاً : التثبت واجب على كل ناقلٍ , من قول الله تعالى : ياأيُّها الذين ءآمنوا إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا وأخرج مسلم في "مقدمة صحيحه" عن ابن مسعود قال : "لا يكون الرجل إماماً وهو يحدث بكل ما سمع"
ثانيًا : هذا كلام إمام من أئمة أهل الإسلام وليس بحجة مالم يكن معه مستند من كتاب أو سنة أو قول صحابي.
ثالثاً : وبكل صراحة "من نحن" حتى نجترأ على الله تعالى بقول ومعنى يريده سبحانه في طيّات كتابه العزيز , هذا من أعظم التواقيع عن ربِّ العالمين جلَّ جلاله . أمَّا لو كان الكلام على أحدٍ من التابعين ولم يكن صحابيًّا كمجاهد بن جبر وقتادة وعكرمة فحتى هؤلاء يندر أن يكون لهم رأي لا مستند لهم فيه عن صحابة رسول الله فهذا مجاهد يقول عن نفسه أنه أخذ القرءان كاملاً عن ابن عباس وإن كان هذا لا يمنع من أن يكون له رأي في التفسير وقُل مثل ذلك في قتادة وغيره ..
فأهل القرون الأولى أهل معرفة بحال رسول الله وصحابته وقد أدركوا الوحي وسببه , فليس الكلام فيهم من مثل الكلام على أهل هذه العصور .. فقد أخرج الشيخان من حديث عمران "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"
وقد أخرج أحمد عن النبي "أمتي كالغيث , لا يُدرى أوله خير أم آخره" .

والله المستعان..