النقل وتاريخ الخط والعقل وأهل السنة وابن حزم

قال الشهرستاني "قال أهل السنة إن العقل لا يُحّسِّن ولا يُقبِّح ولا يقتضي ولا يوجب ولكنه يُعِّرف، والسمع [النقل أو الدين أو القرآن والسنة]لا يُعرِّف ولكنه يحسِّن ويقبح ويقتضي ويوجب". ما عزاه الشهرستاني إلى اهل السنة [وهو اسم جامع لغالبية مذهب الأمة الذي يشمل (أهل السنة والمعتزلة [منهم من خالف اهل السنة في هذه المسألة وتبعهم في ذلك كثير من مقلديهم] والزيدية والإباضية)، فمذهب الأمة اسم جامع لجميع المسلمين المؤمنين بظاهر القرآن والقائلين بأن الاتصال بالملأ الأعلى مقصور على الأنبياء وخاتمهم محمد بن عبدالله. أما المسلمون الذين يظنون أو يعتقدون جازمين باتصال غير الأنبياء بالملأ الأعلى كالقاديانية أو بكائنات متخيلة في الملأ الأعلى كالشيعة الإمامية الذين حجزوا مقعدا لكائن متخيل في الملأ الأعلى أسموه صاحب الزمان وخلقوا له اسما في آل محمد وكل من اعتقد أن الإمامة نص من الله تعالى فهؤلاء قد استقلوا عن الأمة وخرجوا عن مذهب الأمة (رأى فواد سزكين متابعا لبروكلمان أن الشيعة قد استقلوا نهائيا عن الأمة منذ القرن الثالث والصواب أن استقلالهم نهائيا عن الأمة كان منذ القرن الرابع بعد شاعت فكرة حجز مقعد في الملأ الأعلى لكائن متخيل بنسب علوي)] ما عزاه الشهرستاني إلى أهل السنة هو موقف العلم والابستمولوجيا وفلسفة المعرفة المعاصرة من القضية، وهو موقف في غاية التقانة والفهم وعليه يجب أن يتأسس فهمنا وتعلمنا ، واقتضى شرح الجملة النفيسة بعد الكشف عن مغزاها إيراد موجز تاريخ العملية العقلية لأن "المعرفة بطبيعتها تاريخية ولا سيما المعرفة العقلية والعلمية لأن تاريخ العلم هو تاريخ تصحيح اللاحق للسابق وتجاوزه في ضوء معطيات جديدة".
الكشف عن معنى قول أهل السنة السابق، أن العقل يعرّف فقط، وأنه لا يحسّن ولا يقبح [لا يعطي أحكاما قيمية لأن الدين مصدر القيم] ولا يقتضي ولا يوجب[لأن الشرع لا العقل مصدر الأحكام والواجبات و"من شرّع لنفسه الدين فلا دين له"] فالعقل له قيم (صواب ، خطأ، تعليق الحكم ، وليس خير وشر وجميل وقبيح للسلوك). فلماذا كان ذلك كذلك؟ كان ذلك كذلك لأن مصدر العقل هو الحواس وحدها والمعرفة المتراكمة عنها ، وسيأتي بنا في تبيين موجز تاريخ العقل أن سبب تطوره شيئان هما : تطور وسائل حفظ الخبرة المتراكمة وتطور قدرة الحواس (وقد تقوّت بالآلة) على الرصد، هذان العنصران هما ما طوّر العقل الحديث وهما السبب في تفوق العلم المستخدم للزجاج والآلة على العلم القائم على الحواس المجردة فقط كعلم اليونان والعلم في الحضارة الإسلامية
ما تجلى بقول برتراند راسل في تاريخ الفلسفة الغربية إن لديّ كتب أرسطو في الطبيعيات والتي كانت إنجيل العلم لمدة ألفي سنة بعد مؤلفها لم يعد فيها حرف واحد صحيح بمنطق العلم المعاصر.وقول سكنر في (تكنولوجيا السلوك البشري ص 7 من الترجمة العربية): " لقد تقدمت الفيزياء والبيولوجيا تقدما كبيرا إلا أنه لم يحدث أي تطور مشابه في شيء مثل علم السلوك البشري. ليس للفيزياء والبيولوجيا اليونانية الآن سوى قيمة تاريخية (فما نحسب أن عالِما معاصرا في البيولوجيا أو الفيزياء يتوجه إلى أرسطو طالبا العون) ولكن محاورات أفلاطون ما تزال مقررة على الطلاب و يستشهد بها كما لو أنها تلقي ضوءا على السلوك البشري. وما نحسب أن- بمقدور أرسطو أن يفهم صفحة واحدة من الفيزياء والبيولوجيا الحديثة ولكن سقراط وأصدقاءه لن يجدوا صعوبة في متابعة أحدث ا لمناقشات الجارية في مجال الشؤون الإنسانية. وفيما يتعلق بالتكنولوجيا فقد قطعنا خطوات هائلة في السيطرة على عا لَمي الفيزياء والبيولوجيا ولكن ˆممارساتنا في الحكم والتربية وفي الكثير من أمور الاقتصاد برغم تطويعها لظروف مختلفة لم تتحسن تحسنا موازيا"
ولأن مصدر العقل هو الحواس فقط وما تراكم من معرفة عبر رصد الحواس كان العقل قابلا للتمثيل الرياضي عنه فهو يكتشف نفسه في الطبيعة فقط وهو لذلك يساوي صفرا في النهاية، وما كان طبيعيا يختلف عن ذكاء الحيوان الذي يجيئه أيضا عبر حواسه، اختلافاً في الدرجة لا في النوع فهو لا يستطيع أن "يُحسِّن أو يقبح أو يقتضي أو يوجب". لأن القيم مصدرها عالم آخر خارج مجال رصد الحواس وخارج مجال قدرة العقل، وعليه يكون مستخدمو العقل لغير مجاله كالتحسين والتقبيح والاقتضاء الأخلاقي والإيجاب سالكين لغير سبيل المؤمنين ومتبعين لأهوائهم من باب. أما إن كانوا يعنون ـ وقد كان منهم من يعني ـ أن العقل أساسه العلاقات بين الأشياء وهو يضع (علاقة الاتساق أعلى من علاقة التنافر) قياسا على علاقات الإنسان بغيره ، فهو يسعد في جو الاتساق ويشقى في جو التنافر والخصام والتضاد، كان ذلك لهم لو سلمنا بأن الاتساق والاستقرار مع الحق دائما فأحيانا تجب الفوضى الخلاقة ويجب إحداث عدم اتساق مؤقتا كالثورة وكالهجرة من دار الباطل إلى دار الحق وكغيرها فليس الاتساق بأصل مطلق وعليه فلا يكون حجة للحسن المطلق، بل الحسن المطلق ما صدر عن المطلق وما وجه فيه الإنسان قدراته وسلوكه لتحقيق رضا ربه تعالى. فإن قيل إن من المدفوعين بدوافع نبيلة قد يرتكبون فظائع قلنا حتى في مثل هذه الحال يجب التمييز بين الفعل وبين الدافع إليه.
ويكون الذين يسعون إلى الظن أن للعقل مصدرا غير الحواس مبعدين للنُّجعة كما يفعل أهل السنة المعاصرون مخالفين بذلك أهل السنة في قول الشهرستاني.
فالذي شكّل عقل أبي بكر الصديق في نأنأة الإسلام حين لم يكن لديه لا قرآن ولا سنة هو حواسه التي بها رصد واقعه واستمع إلى تجارب غيره من عقل وخيال كالشعر الجاهلي ورؤية المجتمع المكي التي مصدرها الثقافة القبلية وأيام العرب وأسواقها التجارية والأدبية والرحلات التجارية . والعقل الذي كان يعيش به الصحابة أي فعالية إدراك العلاقات بين الأشياء والقوى لم يشكله لهم القرآن ولا السنة فالقرآن يخاطب أناسا عقلاء قد تشكل عقلهم قبل نزوله لأن القرآن والسنة كما هو في الواقع وكما هو مقتضى قول أهل السنة الذي أورده الشهرستاني مصدرُ قيم ، يوجهان الإنسان بعقليته المتشكلة أصلا نحو فعل الخير ونصرة قيم الإسلام.
ولما كان رأس علوم العقل هو الرياضيات الحديثة كانت دراسة الرياضيات من آكد واجبات طالب العلم ولو كان ابن حزم حيا لقرّع كل طالب علم لا ينفق في المنطق الرياضي وطرائق التحليل الرياضي وربط الكيانات الرياضية بأمثلة واقعية ولسخر منه سخرية مرة، نعرف ذلك من سعيه لتقريب المنطق بعامية أهل الأندلس وتأسيسه لكل عملية عقلية على قواعد برهانية منطقية صارمة.
ورب قائل يحاجُّ أهل السنة بأن القيم ليس بالضرورة أن يكون مصدرها الدين فالنبيّ قال "شهدت في بيت عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمرَ النعَم ولو دعيتُ إليه في الإسلام لأجبتُ"، والعالم اليوم لديه قيم إنسانية تتطابق مع دعوة الدين رغم عدم إيمان كثير من الشعوب المتحضرة بالدين أصلا، زاد بعضهم بأن الخير والشر معروفان بالفطرة والنبي قال "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك" والهرة تختبئ إن سرقت اللحمة ولكنها تأكلها أمامك وتهز ذيلها إذا رميت لها بها!.فقد مازت بين حلال وحرام.! الهرة يطمئن قلبها للفعل المشروع المقبول وتهرب وتختبئ إن سرقت!
وهذا صواب وهو مقتضى قول النبي الحلال بيِّن أي بالفطرة والحرام بيِّن ، لكن بينهما أمور مشبهات وظيفة فقهاء الدين أن يبينوا ويتفكروا ويستنبطوا على أن لا يناقضوا معروفا من الفطرة بالضرورة لأن كل ماهو معروف من الفطرة بالضرورة فهو معلوم من الدين بالضرورة أيضا. لكن يردُّ عليه بأن نفس القيم التي تفعلها بدافع إنساني يطالبك الدين أن تحتسب فعلها عند الله تعالى لأن الدين والقيم الإنسانية الفطرية وإن اتحدا في النتيجة أحيانا فقد لا يتحدان في الغاية، فغاية الدين أشمل من غاية القيم الإنسانية الفكرية الدنيوية لأن غاية الدين سعادة الدارين وتحقيق معنى استقرار الإنسان واطمئنانه في الدنيا والآخرة على حين يقتصر هدف القيم الإنسانية الدنيوية على الهدف الأرضي.
فإن قال قائل إن اتحدا فلا ضير وعلى الخير والبركة و"تلك عاجل بشرى المؤمن" لكن ما قولُنا إذا افترقا وتضادّا ، قيل: نادرا ما يتضادان لأن الذي يتضاد هو فهم بعض المتدينين للدين وتصديق بعض المتبعين لأخبار مبتسرة من أسيقتها، ولذلك تكون السلامة في اتباع ما أجمع عليه الفقهاء وهو 14400 مسألة تضمنها موسوعة الإجماع للفقه الإسلامي التي استخرجها باحث من مصادر الفقه الإسلامي المقارنة وهي (اختلاف الفقهاء للطبري والإشراف على مذاهب أهل العلم لابن المنذر والمجموع للنووي ومراتب الإجماع لابن حزم ونقد مراتب الإجماع لابن تيمية والمحلى لابن حزم والمغني لابن قدامة ونيل الأوطار للشوكاني والاستذكار لابن عبدالبر النمري/)ونشرها في (موسوعة الإجماع للفقه الإسلامي)جمع فيه كل ما قالوا أجمعوا..اتفقوا..لا أعلم فيه خلافا ..وهو إجماع المسلمين وقول الصحابي لا مخالف له يعرف. فهذا لا يوجد فيه ما يناقض معروفا من العقل بالضرورة ولا معلوما من الفطرة بالضرورة.وإن كان ينبغي التفريق بين الإجماع المتصل أي منذ عصر الصحابة إلى اليوم وبين الإجماع الحادث ، وهذا ليس من موضوعنا هنا.
خلاصة موقف أهل السنة السابق أن العقل تشكله الحواس والمعرفة المتجمعة عنها وهو مصدر المعرفة لكن الدين موجّه للروح والقدرات العقلية نحو غاية يحددها القرآن وسيرة النبي التي هي سنته.
وتجتمع عوامل تقوية الدين على توجيه العقل تكون في العبادات والتامل والرفقة الصالحة واعتياد فعل الخير، واستشعار حب الله تعالى واحتساب كل ما يقوم به المرء بدافع إنساني بأنه لله تعالى، لأن سبيل الدين وغايته أشمل من الغاية الإنسانية المجردة كما تقدم.
والعقل كما أثبتت الخبرة عبدٌ ذليل بيد القلب [أي الروح أو مركز المشاعر في الإنسان]، فإذا أحببت امرأً فأنت توظِّف عقلك في مصلحته وإسعاده وإذا أبغضته وعاديته فأنت توظِّف نفسَ العقل ضده فالعقل خادم ذليل مقتاد بالقلب (على أن يُفهم القلب بأنه مصدر المشاعر أو الأفكار المطلقة في الشخصية)، ولذلك كان القلب بؤرة تركيز الدين ومقصد نظر الله تعالى إلينا.
ومع ذلك فقد مرت قدرة الإنسان على إدراك العلاقات بين الأشياء والأشخاص والقوى المادية والمعنوية بمراحل ارتبطت بتاريخ وجوده ، وهذه القدرة على الإدراك هي العقل وكان تطوره مرتبطا بشيئين
• قدرة الحواس على الرصد
• ونقل هذه الخبرة إلى الآخرين عبر اللغة ،
فقدرةُ الحواس على الرصد ظلّت هي هي خلال الستة آلاف سنة الأخيرة حتى القرن السابع عشر حين استخدم الإنسان الزجاج لصنع العدسات والمراقب والمجاهر. وهو أكبر تطور علمي حصل في التاريخ, لأن كل ما اكتشف فيما بعد كان مبنيا على نفس الفكرة، الحواس مصدر العقل فيجب أن نظل نقويها بالآلة. أما القدرة الثانية وهي القدرة على حفظ ونقل المرصود عبر اللغة إلى من لم يقُم بالرصد فتطورت منذ ستة ألاف سنة ولم تصبح ثورة حقيقية إلا على يد الإغريق حين أضافوا إلى عمل الفينيقيين رموزا كتابية إضافية لحروف العلة والحركات جعلت الخط يتجاوز الزمان(أن تقرأ للميت) والمكان (حين تقرأ للبعيد).
وفي ضوء هذين الأساسين يمكن حصر تاريخ العقل في المراحل الآتية.
1. من البداية إلى ما قبل 6000 سنة (عصر شفاهي صرف)،
2. 6000ــ 3000 سنة (عصر شفاهي مع كتابة بدائية مهدت لظهور العصر التالي)
3. منذ 3000 سنة الى ما قبل 400 سنة (عصر العقل اليوناني وروح المعلمين الكبار أنبياء اليهود وزرادشت وبوذا وكونفوشيوس ومحمد [كان كارل ياسبرز قد عدّ القرن السادس قبل الميلاد العصر المحوري في التاريخ لمجيء بوذا وزرادشت وكونفوشيوس وطاليس فيه،(ينظر عظمة الفلسفة له) فقبِلَ الفكرةَ توينبي لكن بتوسيع العصر المحوري إلى 600 بعد الميلاد لتشمل عيسى ومحمداً ، وقال إن هذه الفترة ليست بطويلة قياسا بماضي البشرية السحيق، يعني أن مئة سنة ليست كافية لأن تعد عصرا محوريا بل العصر المحوري في التاريخ البشري هو 1200 سنة من 600 ق م ــ 632 م .[قال توينبي إن العصر الحجري القديم شكّل أطول فترة من تاريخ البشرية وقال إنه 15/16 جزء من تاريخ البشرية](ينظر تاريخ البشرية له من ترجمة الدكتور نيقولا زيادة، وعنوانه الأصل البشرية والأرض الأم)]
4. العصر الحديث. كان غاليلو أول إنسان منذ آدم يرى أقمار المشتري بمرقبه ، فكان عصر نشوء العلم الحديث والعقل الحديث معا وهو نفسه العقل القديم أي إدراك العلاقة بين الأشياء والقوى، لكنه بدأ من جديد بتقوية الحواس والإيمان بضرورة الاستمرار في تقويتها.
ومنذ بدأ الناس يقوون الحواس بالزجاج أصبح كون العقل تراكميا مرتبطا بكثرة التجارب وقوة الآلة أمرا واضحا في تاريخ العقل، وصار تاريخ العلم تاريخ أخطاء العلم.لأن اللاحق مصحح ومتجاوز للسابق.
في المرحلة الأولى والثانية من تاريخ العقل كانت الخبرات تتراكم لدى كبار السن عبر تجارب القبيلة وما انتقل إليها عبر اللغة من تجارب أسلافها، وكانت الخبرة تموت بموت الشيخ كبير السن وعلى الناس أن يبدءوا من جديد إلا ما استطاع توصيله ذلك الهرِم إلى تلاميذه وأبنائه ومريديه الذين يكمِّلون دورة معرفية جديدة لا تنتقل بكاملها إلى دورة جديدة بل بقدرة الذاكرة الشفاهية والصياغة اللغوية على النقل
كان هذا حال المعرفة وعلم العقل خلال التاريخ الأطول من مسيرة البشرية(في ضوء كلمة توينبي السابقة)
لم تصل البشرية الى المرحلة الثالثة وهي مرحلة اليونان إلا عبر المرور بالمرحلة الثانية حيث صنع الإنسان فيها الكتابة على يد سكان وادي الرافدين ووادي النيل، وقفز بها أهل الشام واسمها مشتق من سام بن نوح أبي الساميين كلهم خطوة الى الأمام حيث حولوا الصورة لتعني أول حرف من اسمها
فالجيم هو الثور عند الفينيقيين وكان حـ يعني رأس ثور، وهو ما يزال رسما لرأس ثور، لكنه أصبح يدل على صوت اول حرف من الثور الفينيقي الجيم أما الحاء والخاء فليسا بصورة لشيء لكن رمز الجيم استعمل لهما إلى القرن الثاني الهجري حين امتازا عنه بموضع النقطة والإهمال ، والعين ـعـ هو عين الإنسان ، وهو ما يزال صورة عين الإنسان، لكنه أصبح يدل على أول حرف من كلمة عين وأخذ الحرف اسمه من الكلمة
[وكل حرف في العربية ينتهي بـ( ـاء) فقد جاء اسمه صناعةً وهي عشرة حروف: ب ت ث ح خ ر ط ظ ف ه.وأما الحروف الأخرى فمنها ما سمي إتباعا للمشابهة كالذال والدال والشين والسين والضاد والصاد والغين والعين فالغين سمي غينا لا غاءً لأنه استخدم له شكل العين في الكتابة وإلا لسُمي غاء صناعةً ، والحروف التي لها أصل صوري إلى اليوم هي الجيم والقاف والعين والنون، ولم يكن ما بداخل الكاف همزة بل كان كافا أولية توضع فوق اللام كـ ثم صغرت فبانت همزةً. وكانت علامة المد كلمة مد والوصل ص والهمزة رأس عين لقرب مخرجها من العين والشدة رأس شين بدون نقاط، وأعجموا حرفا وتركوا اخر، أهملوا الأكثر استعمالا.]
وهكذا قفز الشاميون بالكتابة الصورية خطوة تحولت معها إلى أبجدية
لكن بقي الساميون (الفينيقيون ثم اليهود ثم العرب )عند الرموز السواكن ولم يقفزوا خطوة ضرورية قفزها الإغريق حين وضعوا رموزا لحروف العلة الطويلة والقصيرة(الحركات) فأصبح خطُّهم قادرا على نقل الخبرة بكاملها، (إلا فيما بعد وظل صنيعهم قاصرا عن الإغريق)وهكذا تراكمت لدى الإغريق في المئة الرابعة قبل الميلاد خبرة أجيال متعاقبة بسبب نظامهم الكتابي فاستطاعوا أن يؤسسوا علم العقل أو الفلسفة بسبب ذلك.[بسبب قصور الخط السامي مازال العرب المسلمون شفاهيين إلى درجة كبيرة لانهم حين تداركوا نقص وجود رموز الصوائت في خطهم لم يجعلوا لها رموزا من بنية الكلمة بل جعلوها فوق وتحت الكلمة وسمّوها حركات وكان كسلُهم يفرط كثيرا في كتابتها فيحصل التحريف والتصحيف، ولوقاية العلم من خطر التصحيف والتحريف الناتج عن هذه السلبية في الخط العربي ، ناهيك عن سلبية أخرى هي كثرة النقاط اضطرّ علماء الإسلام إلى كتابة سطر كامل في وصف الكلمة، فحين ورثوا في القرن الأول للهجرة 16 رمزا لـ32 حرفا في اللغة العربية قاموا فطوّروا هذه المجموعة من 16 حرفا لتشمل الـ32 صوتا وكان هذا عملا عظيما وقفزة متقدمة ولا ريب لكنه كان من زاوية المقارنة مع إبداع الإغريق ترقيعيا لم يرق إلى عبقرية الإغريق ومقلديهم من اللاتين، وقيمة الأفعال بنتائجها. أما لماذا يفضّل بعض العرب الخط العربي على الإغريقي واللاتيني فلـ:
1. أنهم يتأثرون في حكمهم بجمال الخط العربي ، فالجمال يجعلهم ينحازون في حكمهم فيظنون أن الأجمل هو الأكثر عملية وإجرائية وهم مخطئون في ذلك.فالأفضل هو الأقدر على نقل الفكرة دون تحرف وتصحيف وأخطاء لا حصر لها.
2. أنهم يفضلون ذلك بعقلية هي من صناعة هذا الخط فهي لا تمكنهم من الحكم الموضوعي
3. أن الخط العربي كان سيكون أكثر قدرة لو التزم الناس بالضبط وأخذوا الأمور بجدية، ولكن العلم بحاجة إلى خط لا يفسده الكسول بكسله، وهذه تُستحصل فقط بما فعله الإغريق واللاتين من جعل الحركات حروفا
أما السبب العملي وراء عدم تمكن العرب من صُنع خط يوازي الخط اللاتيني أو يفوقه فهو الحروف الستة غير المتصلة، ذلكم أن في الخط العربي ستة حروف لا يمكن أن تتصل بما بعدها أبدا وهي (ا، د،ذ،ر،ز،و) فإذا وردت في أي كلمة انقطع رسم الكلمة ولم يكن ممكنا اتصاله. ولما كان الألف والواو حرفي علة كان اشتقاق الضمة من الواو والفتحة من الألف يجعل كتابتهما ضمن الخط مغيرا لشكل الخط بالكلية أي أن كل الكلمات سوف تتقطع أوصالها لو استخدمنا الواو للضمة والواوين للواو واستخدمنا ألفا للفتحة وألفين للألف، فلم يمْكن ان تحدُث ثورة تجعل الحركات حروفا، لأن علماء القرن الثاني لم يجرؤوا على صنع حروف جديدة بل كان همهم منصبا على ترقيع الخط القديم برموزه القليلة ليشمل كل الأصوات اللغوية.
ولا بد أن الفكرة قد مرت بذهن الخليل الفراهيدي وربما بأذهان كثيرين في القرن الثاني الهجري. لذلك كانت الحركات والنقاط والضبط ترقيعا لخط فينيقي قاصر، وليس إعادة إنتاج لخط يحمل إبداع اليونان ويلحق بهم، كان هذا الأمر العملي لسوء حظ تطور الخط العربي ولا ريب، وهو إلى اليوم بلا مستقبل مشرق في نقل اللغة العلمية.[يعرف ذلك كل ممارس للترجمة][وليس جماله الباهر الساحر بعوض عن نقصه الفاضح في عدم جعل الحركات حروفا].

لكن لماذا لم يصنع اليونان الثورة العلمية ويتمكنوا من تقليد الطبيعة وتوليد الطاقة ؟ السبب أنهم اعتمدوا في رصدهم للظواهر على الحواس المجردة ولم يدركوا قيمة الزجاج. وعلى الرغم من أنهم كانوا قد رأوا الملعقة تبدو مكسورة داخل القدح إلا أنهم لم يصنعوا عدسات تكبر البصر وتمكنهم من رؤية أقمار المشتري فيثبتوا به ما ظنوه ظنا أو أشياء متناهية في الصغر فيكتشفوا الجراثيم وسبب العدوى.
لقد اضطرت البشرية أن تنتظر ألف سنة بعد اليونان لتكتشف فائدة الزجاج في تطور الوعي والعلم والعملية العقلية، والسبب كما قال هـ جـ ويلز أن "الجهل أول قصاص الكبرياء فلم يتمكن فلاسفة اليونان من اكتشاف تحديب الزجاج وصنع المراقب والمجاهر لأن صناعة الخزف والزجاج كان يمارسها العبيد لا الفلاسفة الذين كانوا متعالين عن احتراف الصنائع".
ولكن يبقى موقف أهل السنة على الجادة بقولهم الذي عزاه إليهم الشهرستاني بأن العقل لا يُحسِّن ولا يقبح ولا يقتضي ولا يوجب. ونعني بوصفهم بعلى الجادة أن موقفهم يتطابق مع الموقف الإيبستيمولوجي من علاقة العقل بالقيم المطلقة للإنسان التي مصدرها الدين أو التراث.
بقي قول من قال كيف يكون أهل السنة على أرقى موقف من قضية العقل واشتُهر عنهم معاداة التيار العقلي والتعصب دون بصيرة لكل ما عزي إلى مسمى "أهل سنة" حتى لقبهم خصومهم بـ"الحشوية" وبـ"ـالمجبرة" وبـغير ذلك؟ ومن يقرأ نقود المتكلمين الكبار لهم في مقدمة "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة وفي استطرادات الجاحظ ير الحق في جزء كبير منه مع الناقدين لا مع المنقودين؟ قيل جوابا على هذا التساؤل إن حديثنا هنا عن أساس الموقف لا كيف جرى تطبيق الناس له، فالعداء لعلوم العقل كان خطأ ارتكبه أهل المشرق من أهل السنة وليس أهل السنة في الأندلس والمغرب لثلاثة أسباب
1. أن الوعي الشفاهي للمحدّثين وهو وعي قاصر عن الوعي الكتابي الذي لم يصل إليه خريجو التعليم الإسلامي إلى اليوم، جعلهم يتعصبون معرفيا لتاريخية مروياتهم فهم متطرفون شفاهيا، [ولكنهم سيتغيرون حتما في عصر الثورة الاتصالية الكبرى التي ابتدأت منذ عقدين من الزمان.]
2. ردّ فعلهم على المعتزلة الذين اضطهدت الدولة في عصر نفوذهم رموزا سنية كبيرة
3. رد فعل على الروافض الذين استخدموا منطق أرسطو لنصرة لا معقولهم
4. وبدرجة اقل رد فعل على متصوفة أو منتصرين للتصوف كالغزالي من الذين حصلوا على مكانة علمية في المجتمع لا تتناسب وبضاعتهم المزجاة في علم الرواية
5. يوجد سبب خامس يُسكت عنه دائما ولكنه سبب حقيقي له تأثير واضح وهو الطقس الحار للمشرق فهو أقل ملاءمة للتفكير التحليلي من الطقس في المغرب والأندلس (أوربا)، ذلكم أن المخ يفور في الحر ولا يستطيع التفكير بتفوق، ولذلك يكون اطول الناس أعمارا في البلاد الباردة لا الحارة. فأهل المشرق يصابون بـِ"ـثَوَل" في الحر يفقدهم ربع أعمارهم
ورب قائل يقول إن مشكلة اليابانيين والصينيين مع الخط كانت أكبر من مشكلة العرب مع خطهم الذي هو أرقى بكثير من خطوط الشرقيين وإن كان دون مراعاة الحركات فيه دون الخط الإغريقي واللاتيني، ومع ذلك فقد أصبحت اليابان قبل عصر الانترنت البلد المترجم الأول في العالم، حيث أن ما يترجمه اليابانيون في شهر واحد يفوق ما ترجمه العرب من عصر المأمون إلى اليوم!
قلنا نعم فالحل للمشكلة إما بالنشاط والتأكيد على ضبط ما يستحق الضبط حتى في الجرائد أو بتغيير الخط مراعاة للكسالى.
وقصدنا ليس "جلد الذات" ولا التوهين بل وضع المشكلة على الطاولة لأنه قد تقرر أن فهم المسألة هو الخطوة الأولى لحلها.وكان النبي قد قال "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكُهم" يعني "بدلا من أن تلعن الظلام فأشعِل شمعة"

الحل الوحيد لأهل السنة أن يعودوا إلى موقفهم العلمي من العقل ولا يتم ذلك إلا بالعودة من جديد إلى ابن حزم الكبير فقد صدق فيما قال
أنا الشمس في دنيا العلوم منيرة * ولكن عيبي أن مطلعي الغربُ

الموقف السني الحقيقي من العقل وعلوم العقل هو موقف ابن حزم الكبير، أي ينبغي أن يكونه. وليس موقف الخَلال وحاطبي الليل وممجدي اسم السنة من أهل المشرق لا القدماء ولا البدو المعاصرين ونعني بالبدو المعاصرين الممجدين للبداوة القابلين لقيمها مسيِّرةً للحياة رغم أنها خارج التاريخ،ليس موقف هؤلاء بمغنٍ عن موقف ابن حزم ولا نصيفه قطعاً. [كان جان بول شانليه صديق جاك بيرك قد اكتشف أن "كون البدوي المتخلف مدنيا هو المثل الأعلى ثقافيا خصيصة من خصائص الحضارة العربية الإسلامية لا تشاركها فيه حضارة ظهرت في التاريخ" وهو يقصد أن جميع الحضارات عدت البدوي في أدنى درجات السلم الاجتماعي إلا الحضارة العربية الإسلامية، ولا شك أن الأمة في هذه المسألة "تمشي على يديها لا على رجليها" كما تفعل البشرية في 21 حضارة ظهرت في التاريخ تخالف رؤية الحضارة العربية الإسلامية رقم 22 في مسألة البداوة.]
هل لأهل السنة ومعهم الأمة مستقبل بدون ابن حزم؟ هل ابن حزم وعلماء أهل الأندلس اختيار أم ضرورة؟ الجواب قطعا ضرورة.

الانطلاق من ابن حزم في كل ما فعل وتجاوزه بناء على مبادئه لا ادعاءً.
والله من وراء القصد