(((الشيطان والجهات الاربع)))
يقول الله محذرا عباده ((يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون))
الأعراف آية:27
وقد بين الله تعالى الاعيب الشيطان في كثير من الآيات القرآنية ,وحذَر المؤمنين من الوقوع في حبائله ,لأنَ الشيطان لايبتغي سوى إضلال المؤمنين وإبعادهم عن الصراط المستقيم , والله عزوجل أعطى المؤمنين حرزا حصينا من الشيطان .فقال تعالى :((وإما ينزغنَك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ))
فصِلت آية:36
وقد أمرنا الله عزوجل وبين لنا أن نستعين به ونتوكل عليه :((وقل ربِ أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك ربِ أن يحضرون * )) المؤمنون آية:97-98
ويستمر التحذير الالهي من الشيطان الرجيم فيقول عزوجل ((وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنَ الشيطان ينزغ بينهم إنَ الشيطان كان للانسان عدوٌ مبين *)) الاسراء آية:53
لذلك نرى لزاما على كل مؤمن أن يتسلَح عقائديَا تسليحا قويَا ,وأن يكون هذا السلاح ليس من نوع الاسلحة المتداولة والمستخدمة في قتل الانسان ,لاخيه الانسان بل سلاحا روحيا ...
عن عثمان بن أبي العاص الثقفي , انه أتى النبي فقال يا رسول الله ((إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقرائتي يلبسها عليَ,فقال له رسول الله ذاك شيطان يقال له خنزب فاذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا )) قال ففعلت فأذهبه الله عني .. رواه مسلم
نعود إلى توعد الشيطان عباد الله عزوجل ((لأقعدنَ لهم صراطك المستقيم )) الأعراف آية:16
أي بالصدِ عنه وزيين الباطل حتَى يهلكوا كما هلك هو أي الشيطان أو يضلوا كما ضلَ هو .
أمَا الصراط المستقيم فهو الطريق الموصل الى الجنة ورضوان الله تعالى .
وأحسن ما قيل في تأويل ((ثم لآتينَهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ))
الاعراف آية:17
أي لأصدَنَهم عن الحق وارغبهم في الدنيا (من بين ايديهم )اي من دنياهم (ومن خلفهم )اي من آخرتهم ) وعن ايمانهم )يعني حسناتهم (وعن شمائلهم )يعني سيئاتهم ... القرطبي وابن كثير
وعلى ضوء هذا التفسير نقول :(من بين ايديهم ) من دنياهم التي يعيشون فيها ,وساجعل الامل يلههم حتى يجمعوا الاموال بالباطل والغش , ويسيطروا على اقوات الناس وارزاقهم واغتصاب الارض وبناء القصور بالمال الحرام , ويرغبهم بكنز الاموال حتى يكونوا من المترفين فيزيغوا عن شرع الله ويصبح الههم هواهم وقد جاء هذا الوصف بقوله تعالى :((إن يدعون من دونه الا إناثا وإن يدعون الا شيطانا مريدا *لعنه الله وقال لاتخذنَ من عبادك نصيبا مفروضا * ولاضلنهم ولامنينهم ولآمرنهم فليبتِكنَ آذان الانعام ولآمرنَهم فليغيرنَ خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا *اولئك مأواهم جهنَم ولا يجدون عنها محيصا *)) النساء آية:117-121
وعلى هذا نرى أنَ الشيطان لايكف عن الإضلال في الحياة الدنيا , إنه يريد غواية الانسان ويصدَه عن دين الله , ولقد أضلَ كثيرا من الامم السابقة فقال الله عزوجل :((تالله لقد ارسلنا إلى أمم من قبلك فزيَن لهم الشيطان أعمالهم ))
النحل آية:63
وأما ما نراه في معنى (ومن خلفهم )أي عن آخرتهم يوم القيامة , فيجعلهم ينسون الآخرة ويشككهم بها ويكذِبوا الرسل ويكذِبوا باليوم الآخر يقول تعالى:((ولقد صدَق عليهم إبليس ظنَه فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بآياتنا ممن هو منها في شك وربُك على كل شيء حفيظ * ))
سبأ آية:20-21
هكذا يحاول إبليس اللعين أن يشكك الناس السذَج الغافلين عن اليوم الآخر ويكذِبوا به ((بل كذَبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذَب بالساعة سعيرا )) الفرقان آية:11
ولمن يكذب بالساعة نارا .لان الايمان باليوم الآخر من العقائد الاساسية , فالذي ينكرها ويكذب بها يعذَب بالنار يوم القيامة :((وأما الذين كفروا وكذَبوا بآياتنا ولقآء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ))
الروم آية:16
ويحاول الشيطان أن يشكك بالبعث يوم القيامة ,لانه يعلم جيدا أن مجرد الشك بهذا اليوم يعد كفرا واضحا حذرت منه الرسل كآفة .فيأتي هذا الملعون الى البعض من النفوس الضعيفة التي تشاطره الغواية , يقول تعالى:((قالوا أإذا كنا ترابا وعظاما ائِنَا لمبعوثون * لقد وعدنا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا الا اساطير الاولين *))
المؤمنون آية:82-83
هكذا ينكرون اليوم الآخر ويشككون به , فالشياطين ليسوا من الجن وحسب بل إنَ هناك شياطين الانس ايضا . وكل هؤلاء سيحشرهم الله تعالى يوم القيامة أذلآء إلى جهنَم وبئس المصير . فيقول عزوجل :((فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا )) مريم آية:68
وأما مانراه في تفسير (وعن أيمانهم ) أي حسناتهم ...بمعنى ان الشيطان يأتي عن طريق الخير للاستدراج حتى يوقع الانسان في المعصية . لهذا قال الشيطان لآدم وحوآء برغم تحذير الله عزوجل لهما ((وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين )) الاعراف آية:20
هكذا جاء ايوينا من طريق الخير وهو يبغي الشر والعصيان وعدم طاعة الله كي يطردوا من الجنة .((وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين )) الاعراف آية:21
أي حلف لهما يمينا إن اكلتم من هذه الشجرة ستكونا ملكين أو تكونا من الخالدين في الجنة بمعنى لا يمسكم الموت أبدا , وقد كذب عليهما .
إن آدم عليه الصلاة والسلام لم يعرف الكذب , كما إنه لم يكن يعتقد أن يحلف أحدا ويقسم بالله كذبا . لذلك صدق الشيطان واكل من الشجرة ونتيجة لذلك أخرجوا جميعا من الجنة وجاء العتاب من الله تعالى :((وناداهما ربهما الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما إن الشيطان لكما عدوٌمبين *)) الاعراف آية:22
إن الاغواء يأتي دائما عن طريق تزيين المعصية على أنَه خير , لذلك جاء الشيطان عن طريق الخير والشياطين كثيرا ما تسلك هذا الباب أي باب الخير وهم يبغون شرا ... ويصف لنا ربنا عزوجل هذه الحالة فيقول :((وأقبل بعضهم على بعض يتسائلون *قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين * فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين * فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون *)) الصافَات آية:27-33 من الآيات القرآنية السابق ذكرها في سورة الصَََََافَات يتأكد لنا أي الجهات التي يسهل على الشيطان إضلال العباد منها ((قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ))
بمعنى عن طريق الخير ويبغون بذلك الشر , وهذا من أخطر الطرق على الانسان ,وكثير من الناس ضلَ بهذا الطريق , أي (عن اليمين )
أما قوله ((وعن شمائلهم )) يعني سيئاتهم . إن الشيطان يأتي أيضا عن طريق تزيين الفواحش وشرب الخمور والعصيان وعدم طاعة الله والكفر به , وقد جاء هذا الوصف في القرآن الكريم :((كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله ربَ العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين * )) الحشر آية:16-17
أرايت كيف جاء من جهة الشمال وهي الجهة التي أشار اليها إبليس (وعن شمائلهم ) إنه يشجع على فعل المنكرات ويزينها للانسان . يقول تعالى:((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون *)) المائدة آية:91
الله عزوجل يحذرنا من هذه المحرمات لانها من عمل الشيطان . ورغم هذا التحذير فان الله عزوجل قد تحدى الشيطان ان يفعل مايشاء هو وجنوده وانهم لن يستطيعوا أن يضلوا عباده المخلصين .
يقول تعالى:((واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الاموال والاولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا *))
الاسراء آية:63-65
ليس للشيطان سبيلا الى عباد الله المخلصين الذين اخلصوا دينهم لله عزوجل وفقهوا منهجه القويم , وعلموا طرق الشيطان والاعيبه , لذلك نرى ان الشيطان لا سبيل له اليهم . يقول تعالى بوصف الشيطان في هذا الباب :((قال فبعزتك لاغوينم اجمعين* الا عبادك منهم المخلصين * )) ص آية:82-83
وقد استثنى الشيطان من العباد لعدم قدرته على اضلالهم فقال :((الا عبادك منهم المخلصين )).
وقد أكد الرحمن الرحيم , ان الشيطان ليس له سلطان على الاتقياء المخلصين من عباد الله تعالى فقال:((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )) الحجر آية:42
بعد هذه التوضيحات نعود الى الجهات الاربع او المحاور الاربعة التي اشار اليها الشيطان والتي سياتي منها ليضل عباد الله :((من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ))بقية جهتان لم يشر اليها الشيطان لانه لا يستطيع النفاذ منهما وهاتان الجهتان هما ((((من فوقهما ومن تحتهما )))).
فلماذا لم يشر الشيطان الى هاتين الجهتين ؟؟؟
لان الجهة الفوقية (الالوهية) والجهة التحتانية (العبودية الخالصة ) وقد اشار اليهما على انهما جهتا خير او عذاب يختص بها بامره فيقول عزوجل :((قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم او من تحت ارجلكم )) الانعام آية:65
هذا العذاب للذين يزيغون عن امره تعالى ويعصونه في الحياة الدنيا ,وهناك آيات من القرآن الكريم تتحدث بهذا المعنى .((يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ارجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ))
العنكبوت آية:55
((ولو انهم اقاموا التوراة والانجيل وما انزل اليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم ))
المائدة آية:66

يتبع (((حوار بين اهل النار))) 19