قوله : قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم أي صدقهم في الدنيا ، وقيل في الآخرة ، والأول أولى . "الإمام الشوكاني"
قوله تعالى : قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم أي : صدقهم في الدنيا فأما في [ ص: 293 ] الآخرة فلا ينفع فيها الصدق ، وصدقهم في الدنيا يحتمل أن يكون صدقهم في العمل لله ، ويحتمل أن يكون تركهم الكذب عليه وعلى رسله ، وإنما ينفعهم الصدق في ذلك اليوم وإن كان نافعا في كل الأيام لوقوع الجزاء فيه ، وقيل : المراد صدقهم في الآخرة وذلك في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ ، وفيما شهدوا به على أنفسهم من أعمالهم ، ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة ، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم ، والله أعلم. "الإمام القرطبي"

قال أبو جعفر : اختلفت القرأة في قراءة قوله : " هذا يوم ينفع الصادقين " . فقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والمدينة : ( هذا يوم ينفع الصادقين ) ، بنصب " يوم " .

وقرأه بعض أهل الحجاز وبعض أهل المدينة ، وعامة قرأة أهل العراق : هذا يوم ينفع الصادقين ، برفع " يوم " . فمن رفعه رفعه ب " هذا " وجعل " يوم " اسما ، وإن كانت إضافته غير محضة ، لأنه قد صار كالمنعوت . [ ص: 242 ] وكان بعض أهل العربية يزعم أن العرب يعملون في إعراب الأوقات مثل " اليوم " و " الليلة " عملهم فيما بعدها . إن كان ما بعدها رفعا رفعوها ، كقولهم : " هذا يوم يركب الأمير " و " ليلة يصدر الحاج " و " يوم أخوك منطلق " . وإن كان ما بعدها نصبا نصبوها ، وذلك كقولهم : " هذا يوم خرج الجيش ، وسار الناس " و " ليلة قتل زيد " ونحو ذلك ، وإن كان معناها في الحالين " إذ " و " إذا " .

وكأن من قرأ هذا هكذا رفعا ، وجه الكلام إلى أنه من قيل الله يوم القيامة .

وكذلك كان السدي يقول في ذلك .

13039 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قال الله : " هذا يوم ينفع الصادقين " هذا فصل من كلام عيسى ، وهذا يوم القيامة .

يعني السدي بقوله : " هذا فصل من كلام عيسى " : أن قوله : " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " إلى قوله : " فإنك أنت العزيز الحكيم " من خبر الله عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه ، وأن ما بعد ذلك من كلام الله لعباده يوم القيامة .

وأما النصب في ذلك ، فإنه يتوجه من وجهين :

أحدهما : أن إضافة " يوم " ما لم تكن إلى اسم ، تجعله نصبا ، لأن الإضافة غير محضة ، وإنما تكون الإضافة محضة ، إذا أضيف إلى اسم صحيح . ونظير " اليوم " في ذلك : " الحين " و " الزمان " وما أشبههما من الأزمنة ، كما قال النابغة :

[ ص: 243 ]
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألما تصح والشيب وازع؟


والوجه الآخر : أن يكون مرادا بالكلام : هذا الأمر وهذا الشأن ، يوم ينفع الصادقين فيكون " اليوم " حينئذ منصوبا على الوقت والصفة ، بمعنى : هذا الأمر في يوم ينفع الصادقين صدقهم .

قال أبو جعفر : وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب : ( هذا يوم ينفع الصادقين ) ، بنصب " اليوم " على أنه منصوب على الوقت والصفة . لأن معنى الكلام : إن الله جل و - تعالى ذكره - أجاب عيسى حين قال : " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته " إلى قوله : " فإنك أنت العزيز الحكيم " فقال له : هذا القول النافع أو هذا الصدق النافع يوم ينفع الصادقين صدقهم . ف " اليوم " وقت القول والصدق النافع .

قال صاحب التحرير والتنوير الطاهر ابن عاشور:والمراد بـ ( الصادقين ) الذين كان الصدق شعارهم لم يعدلوا عنه . ومن أول مراتب الصدق صدق الاعتقاد بأن لا يعتقدوا ما هو مخالف لما في نفس الأمر مما قام عليه الدليل العقلي أو الشرعي . قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين .

ومعنى نفع الصدق صاحبه في ذلك اليوم أن ذلك اليوم يوم الحق فالصادق ينتفع فيه بصدقه ، لأن الصدق حسن فلا يكون له في الحق إلا الأثر الحسن ، بخلاف الحال في عالم الدنيا عالم حصول الحق والباطل فإن الحق قد يجر ضرا لصاحبه بتحريف الناس للحقائق ، أو بمؤاخذته على ما أخبر به بحيث لو لم يخبر به لما اطلع عليه أحد . وأما ما يترتب عليه من الثواب في الآخرة فذلك من النفع الحاصل في يوم القيامة . وقد ابتلي كعب بن مالك في الصدق ثم رأى حسن مغبته في الدنيا .

[ ص: 119 ] ومعنى نفع الصدق أنه إن كان الخبر عن أمر حسن ارتكبه المخبر فالصدق حسن والمخبر عنه حسن فيكون نفعا محضا وعليه جزاءان ، كما في قول عيسى : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إلى آخره ، وإن كان الخبر عن أمر قبيح فإن الصدق لا يزيد المخبر عنه قبحا لأنه قد حصل قبيحا سواء أخبر عنه أم لم يخبر . وكان لقبحه مستحقا أثرا قبيحا مثله . وينفع الصدق صاحبه مرتكب ذلك القبيح فيناله جزاء الصدق فيخف عنه بعض العقاب بما ازداد من وسائل الإحسان إليه .
لــــو تدبرها المؤمن لسمى في اعتقاده وتصرفاته .. والله أعلم