نقلاً من كتاب الهمة العالية معوقاتها ومقوماتها للشيخ الدكتور محمد الحمد:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا ,من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فإن الهمة العالية خصلة شريفة , وخلة حميدة , وخلق رفيع , وأدب سام , تتعشقُها قلوب الكرام , وتهفو إلى اكتسابها نفوس الأبطال.
والناس إنما تعلو أقدارهم وترتفع منازلهم بحسب أنصبتهم من علو الهمة , وشرف المقصد .
فمن علت همته اتصف بكل جميل..
ومن دنت همته اتصف بكل خلق رذيل..
فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها ,
والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها .
والهمة العالية لا تزال بصاحبها , تضربه بسياط اللوم والتأنيب , وتزجره عن مواقف الذل واكتساب الرذائل , وحرمان الفضائل –حتى ترفعه من أدنى الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد.
ذلك أن علو الهمة يستلزم الجد والإباء , ونشدان المعالي , وتطلاب الكمال , والترفع عن الدنايا , والصغائر , ومحقرات الأمور.
وإن مما يلاحظ على أمة الإسلام في عصورها المتأخرة دنو الهمم والرضا بالدون , والقعود عن معالي الأمور , والاشتغال بالسفاسف والمحقرات , وذلك على مستوى الفرد والجماعات , إلا من رحم ربك وقليل ما هم الأفراد.
ولهذا أصبحت غرضاً لأعدائها , الذين تسلطوا عليها وجاسوا خلال ديارها فساموها سوء العذاب وكانت عزيزة مهيبة الجناب , فهوت من عليائها , ونزلت من شامخ عزها , ولقيت صغاراً بعد شمم , وذلاً بعد عزة , وجهلاً بعد علم , وبطالة بعد نشاط, وتقاطعاً بعد ائتلاف , وكادت أن تشرف على حضيض التلاشي والفناء.
فما أحوجنا-نحن المسلمين-أفراداً وجماعات أن نرجع إلى ديننا , وأن نعلي هممنا , حتى يعود لنا مجدُنا السليب , وعزتنا القعساء.
وإن مما يعين على ذلك أن تُذكى معاني الهمة , وأن تحرك في النفوس,وأن ينبري أهل العلم لاستنهاض الهمم , وبعث العزائم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الهمة العالية كغيرها من الأخلاق الفاضلة, فمنها غريزي جبلي فطري , ومنها ماهو اكتسابي يأتي بالدربة والممارسة.
ثم إن للهمة العالية معوقات ومقومات, معوقات تعوق عن إدراكها , ومقومات تنهض بالفرد والجماعة لاكتسابها والتحلي بها.

/ تعريف الهمة العالية:
الهمة مأخوذة من الهم , والهم أصل صحيح .
قال ابن منظور :والهمة واحدة الهمم , والمهمات من الأمور: الشدائد المحرقة.
قال :وهمَّ بالشيء يهمُّ هماً : نواه , وأراده , وعزم عليه.
والهمة تنطق بكسر الهاء وفتحها , كما ذكر ذلك ابن منظور.
وقد عرف ابن القيم -- الهمة فقال:والهمةُ فعلة من الهم , وهو مبدأ الإرادة , ولكن خصوها بنهاية الإرادة , فالهم مبدؤها , والهمة نهايتها.
قال ابن فارس :والهمام الملِك العظيم الهمة.
وقيل :الهمام السيد السخي الشجاع.
فالهمة العالية هي الهمة الصادقة , والعزيمة الجازمة , والإرادة القوية الرفيعة , والرغبة الأكيدة في التحلي بالفضائل والتخلي من الرذائل .
وعلــو الهمة هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور , وطلب المراتب السامية , واستحقار ما يجود به الإنسان عند العطية , والاستخفاف بأوساط الأمور, وطلب الغايات , والتهاون بما يملكه , وبذل ما يمكنه لمن يسأله من غير امتنان ولا اعتداد به.
وأما دنو الهمة فعكس علو الهمة, ويمكن أن يعرف بأنه إيثار الدعة , والرضا بالدون, والقعود عن معالي الأمور.
وقيل : الناس في شأن الهمة على أربعة أصناف:
من يسمى بـعظيم الهمة أوكبير الهمة , وصغير الهمة, ومن هو بصير بنفسه متواضع في سيرته, ومن يسمونه فخوراً أو متعظماً.
أمثــــلة
يختلف الناس في هممهم ,وأمانيهم , وشهواتهم , فمنهم من تسمو همته ,ومنهم من تدنو , ومنهم من هو بين بين, وفيما يلي أمثلة لذلك:
**اجتمع عبدالله بن عمر , وعروة بن الزبير , ومصعب بن الزبير و عبد الملك بن مروان بفناء الكعبة , فقال لهم مصعب : تمنوا ! فقالوا : ابدأ أنت ! فقال : ولاية العراق , وتزوُج سكينة ابنة الحسين , وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله , فنال ذلك..
وتمنى عروة بن الزبير الفقه وأن يحمل عنه الحديث , فنال ذلك .
وتمنى عبد الملك الخلافة فنالها ...
وتمنى عبد الله بن عمر الجنة .
**قال قتيبة بن مسلم لحصين بن منذر : ما السرور ؟ قال: امرأة حسناء , ودار قوراء , وفرس مرتبط بالفناء.
**وقيل لملِك : ما السرور ؟ قال : حمىً ترعاه , وعدو تنعاه .
**وقيل لوراق: ما السرور ؟قال : جلود وأوراق , وحبر براق , وقلم مشاق .
وهكذا تتفاوت الهمم , وتختلف الشهوات والأماني , فكل يعمل على شاكلته , ولكل وجهة هو موليها..