بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ العلّامــة عبد الرحمن السعدي --
هو أبو عبد الله , عبد الرحمن بن ناصر بن عبدالله بن ناصر بن حمد آل سعدي , من نواصر بني تميم.
نشأته: وُلد في عنيزة (1307/1/12) وتوفيت والدتُه وعمره أربع سنين, ثم توفي والده وعمره سبع سنوات , فنشأ يتيم الأبوين, وكفلته زوجة والده, وأحبّته كثيراً , فلما شبّ صار في بيت أخيه الأكبر: حمد , الذي دفع به إلى حلقات العلم , وكفاه مؤونةالعيش. أما والده فقد كان حافظاً للقرىن محباً للعلم وأهله , مشهوراً بالبذل والإحسان , وكان يقرأ على الناس الكتب النافعة أدبار الصلوات,وينوب عن إمام المسجد وخطيبه, وأما أمه فهي من آل عثيمين , من الوهبة.
نشأ الشيخ نشأة صالحة , فحفظ القرآن ولم يتجاوز الثانية عشرة من عمره , ثم انصرف إلى طلب العلم وتحصيله بهمة عالية على شيوخ بلده وغيرهم ممن وفدوا إليها ومن أبرزهم:
إبراهيم بن حمد بن جاسر , إبراهيم بن صالح بن عيسى, صالح بن عثمان القاضي, محمد الأمين محمود الشنقيطي وغيرهم..وقد أُعجب به مشايخه , لذكائه ونبله واستقامته , وحرصه على الطلب , وسمو أخلاقه. وكان يحفظ كثيراً عن ظهر قلب , وإذا استشهد بها لم يُعنتهُ الاستشهاد , يهذّها هذّاً , لأنه كان يتعاهدها دائماً , وقد تأثر الشيخ كثيراً بمدرسة الشيخين, شيخ الإسلام ابن تيميّة , وتلميذه ابن القيم, فقرأكتبهما , ولخّصها , وشرحها , وحث الطلاب على قراءتها , وبدا أثر تتلمذه على مؤلفاتهما واضحاً في كلامه واختياراته الفقهية , وطريقة استنباطه, وتحرره من رِبقَة التقليد , وحرصه على اتباع الدليل.
أعماه وتعليمه: لمّا ظهر نبوغ الشيخ وهو في ريعان الشباب صار أقرانه يرجعون إليه , ويستفيدون منه, ولما بلغ الثالثة والعشرين من عمره جلس للتدريس مع عدم انقطاعه عن الطلب, ومن عام1350هـ صار مرجع الناس في بلده في التدريس والفتيا , وأصبح عليه المعول في أخذ العلوم..ومع هذه المهمة الأساس كان يقوم بأعمال جمة : كإمامة الجامع, والفتيا , وكتابة الوثائق , وتحرير الأوقاف والوصايا, وعقود الأنكحة, وكان مستشارا أميناً لكل من استشاره ونصحه, ولم يكن يأخذ على شيء مما كان يعمله شيئا من حطام الدنيا, كما كان أحد المساهمين في تأسيس المكتبة الوطنية بعنيزة عام(1359هـ) وتأمين المراجع العلمية , لتكون في متناول الطلبة , كما قام بالإشراف على المعهد العلمي بعنيزة لما افتتح عام(1373), وقد عُيّن له راتب شهري مقابل إشرافه , فتركه الشيخ احتسابا, كما عُرض عليه القضاء عام(1360) فامتنع تورعاً وحرصاً عدم الالتزام بعمل رسمي يشغله عن العلم والتعليم, وكُرّر عليه العرض مراراً فلم يقبل.
أما عن تنظيمه لوقته : فقد كان يجلس أربع جلسات في اليوم , حيث كان يصلي الفجر بالناس , ثم يجلس لأداء الدرس حتى تطلع الشمس , ويذهب بعد ذلك إلى بيته حتى ارتفاع الضحى, ثم يعود إلى المسجد ليدرس الطلبة فنوناً متنوعة على ترتيب اختاره الشيخ , ويستمر حتى صلاة الظهر , فيصلي بالناس , ثم يعود إلى بيته إلى صلاة العصر, وبعد صلاة العصر يلقي درساص في بعض ما يهمّ الناس معرفته من دينهم في بضع دقائق , وبعد صلاة المغرب يلقي على طلابه درساً حتى يصلي العشاء , وذلك كل يوم .
وكان من هديه مع طلابه : أنه يستشيرهم في الكتاب الذي يريدون قراءته , ويعقد المناظرات بينهم لإحياء التنافس في الطلب , وترسيخ المسائل في الذهن,ويطرح عليهم المسائل ليستخرج منهم الجواب , وأحياناً يتعمّد تغليط نفسه ليعرف المنتبه والفاهم من بين الحضور , وقد يصور المسألة الخلافية بين الطلابين , كل واحد يتبنى قولاص ويدافع عنه , ثم يرجّح الشيخ القول الصحيح القول الصحيح بالدليل أو التعليل, , وكان كثيراًما يطلب من التلاميذ إعادة نا فهموه من الدرس, ولم يكنيغفل في بداية الدرس مناقشة الطلبة فيما أخذوه في الدرس السابق , مما يدفعهم إلى الاستذكار والمراجعة.
أما أخلاقه فكان آية في مكارم الأخلاق , قال تلميذه الشيخ عبدالله البسام: له أخلاق أرق من النسيم , وأعذب من السلسبيل , لا يعاتب على الهفوة , ولا يؤاخذ بالجفوة و يتودد وتحبب إلى البعيد القريب ,يقابل بالبشاشة , وحيي بالطلاقة , ويعشر بالحسنى , ويجالس بالمنادمة , ويجاذب أطراف الحديث بالأنس والود , ويعطف على الفقير والصغير , ويبذل طاقته ووسعه , ويساعد بماله وجاهه وعلمه ومشورته ونصحه , بلسان صادق , قلب خالص , وسر مكتوم.
كما كان جريئاص في الحق و, ناصحاً للخلق , لا تأخذه في الله لومة لائم , نحسبه كذلك والله حسيبه , ولا نزكي على الله أحداً.
وكان من شدة حرصه على نغع الخلق , ونشر العلم , ودعوة الناس يكثر الاجتماع بالناس لا ينقطع عن زيارتهم في بيوتهم ومشاركتهم في مناسباتهم , مع دعابة لا تسقط من حرمته , ولا تخل بوقاره ... وغيرذلك كثير مما ذكر عنه
وقد ذُكر أن أحد تلاميذه رآه بعد موته , فسأله عما صنع الله به, فبشر بخير , قال التلميذ : بِمَ نِلْتَ ذلك؟ فقال : بحسن الخلق..
وله مؤلفات كثيرة ..
وفاته : أُصيب الشيخ في آخر حياته بمرض ضغط الدم , فكان لابد لعلاجه من السفر خارج البلاد , وقد أرسلت الدولة السعودية طائرة خاصة نقته إلى بيروت , فعولج بها , وبقي هناك قرابة الشهرين حتى شفاه الله وذلك عام (1372هـ)ثم عاد إلى عنيزة , وأعاد جميع أعماله التي كان يزاولها , رغم نهي الأطباء له عن الإجهاد , مما كان له أثر على معاودة الضغط.
وفي ليلة الأرعاء 1376/6/22هـ بعد أن صلى العشاء في الجامع الكبير في عنيزة , وبعد أن أملى الدرس المعتاد على جماعة المسجد أحسّ بثقل وضعف حركة, فأشار إلى أحد تلاميذه بأن يمسك بيده ويذهب به إللا بيته , ففعل لكنه أغمي عليه فور وصوله البيت , ثم أفاق وطمأن الحاضرين غلى صحته , ثم عاد إليه الإغماء فلم يتكلم بعدها حتى مات , وفي الصباح دعوا له الطبيب , فقرر أن نزيفاً في المخ قد حصل له , فأبرقوا لولي العهد , فأصدر أمراً بإسعافه بالطائرة , لكن حال دون نزولها السحاب الكثيف والمطر الغزير , وعادت مرة أخرى صبيحة الخميس لعلها تتمكن من الهبوط , لكنها تلقّت تبأ وفاته وهي في الجو فعادت أدراجها.
وكانت وفاته قبيل فجر الخميس 1376/6/23هـ , عن (69)عاما قضاها في العلم والتعليم والدعوة والتأليف والتوجيه والإرشاد.. رحمة واسعة ورحـــم علمائنا في كل بقعة,,
هذه الترجمة ملخصة من كتاب الشيخ منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين الذي اعتنى به شيخنا الدكتور محمد الخضيري