المرأة الريادية في الإسلام
- المجال المعرفي أنموذجا-
دة.فاطمة الزهراء الناصري
·أستاذة باحثة بمركز الدراسات القرآنية التابع للرابطة المحمدية للعلماء
لقد كانت فلسفة المساواة شيئا يصعب استيعابه من قبل العرب، المساواة بين الأحرار والعبيد، وبين الأغنياء والفقراء، وبين الرجال والنساء... فجاء الإسلام بفلسفة فريدة في المساواة بين الرجال والنساء، مساواة على جميع المستويات، الحياة والمال والعبادة والرأي... وسنقصر الكلام في هذا المقال على ما أثمرته هذه الفلسفة الإسلامية في المساواة من نساء رياديات على مستوى الاشتغال بالعلم والمعرفة، كن بحق نجمات زاهرة تزين سماء العالم الإسلامي، وأكدن أن الأنوثة لا تعيق المعرفة، وأن دعوة الإسلام إلى المساواة بين الرجال والنساء في طلب العلم لا تنافي الواقع ولا تضاد الفطرة...وأن الجمع بين الأمومة والنبوغ العلمي شيء ممكن، وممكن جدا لا يحتاج إلا إلى همم عالية ونفوس دونها الثريا من الرجال أو النساء على السواء، فإذا كانت المرأة أما وزوجة وابنة، فكذلك الرجل زوج وأب وابن...والتوفيق بين هذه المسؤوليات وطلب العلم مطلوب من الطرفين.
تأسيس الحديث النبوي للريادة المعرفية للمرأة في الإسلام
لم يكن المسجد في العهد النبوي مكانا خاصا بالتعبد فقط بل كان قلعة علمية أيضا تحتضن الكثير من النشاطات، لذلك حرم النبي منع النساء من الذهاب إلى المسجد فقال: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّه"ِ[1]، وبهذا يكون النبي قد أسس للريادة المعرفية للمرأة في ظل الإسلام، على ألا يكون ذلك على حساب وظيفتها التربوية في تنشئة الأجيال تنشئة سوية نفسيا وصحيا واجتماعيا... ، وعلى ألا يكون خروجها مقرونا بإثارة الفتنة بأن تخرج متطيبة مثلا، وإلا صدق فيها حيث النبي بأن "صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد"[2]، فلا تعارض بين الحديثين وإنما نحتاج إلى جمع الأحاديث من أجل فقه ناشئ عن نظرة شمولية تكاملية مقاصدية، فالمقصود إذن هو دعوة المرأة إلى استيفاء مهمتها التربوية قبل أن تيمم وجهها شطر المسجد، ولأنها متبوعة بمسؤوليات أخرى لم يوجب عليها الشارع الصلاة في المسجد رحمة بها، على أن هذه المسؤوليات لا ينبغي أن تتخذ وسيلة لمنعها من نشاطات تعبدية ومعرفية واجتماعية خارج البيت والتي كان المسجد مركزها ومعقلها الأول في العهد النبوي، لذلك قال عليه الصلاة السلام: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، ودعا المرأة من جهة ثانية إلى عدم التفريط في مسؤولياتها كزوجة وأم لحساب المسجد، وذلك من أجل موقف وسط يجعل من المرأة زوجة صالحة وأما مربية ناجحة وعالمة متألقة وفاعلة اجتماعية نشيطة...
ولأن الأمر يتعلق بطلب العلم الواجب على كل مكلف، فالمفروض إذا كان الزوج غير قادر على تعليم امرأته لجهل أو اشتغال بمعاش...، أن يأخذ السعي إلى المسجد حكم الوجوب تبعا لوجوب طلب العلم المفروض عينا على كل مكلف مما لا تصح ديانته إلا به أصولا أو فروعا، فوجوبه حينئذ وجوب وسيلة إلى مقصد واجب فللذريعة حكم ما يتذرع إليه بها، فإن كان واجبا فالذريعة إلى تحصيله واجبة.
المرأة والمعرفة في العهد النبوي من خلال نموذج أم المؤمنين عائشة
لقد كانت أم المؤمنين عائشة فقيهة الإسلام امتدادا معرفيا للنبي بعد وفاته، فكان ذلك من أعظم الحكم في زواجه منها وهي في ذلك السن المبكر، وقد قال في ذلك المستشرقون بأنظارهم القاصرة ما قالوه من الأباطيل.
لم يمت النبي الرسول علميا ولم ينقطع أثره المعرفي بوجود عائشة التي عاشت بعده قرابة خمسين سنة تعلم المسلمين رجالا ونساء، فقد روت بعده آلاف الأحاديث، وصححت للصحابة واستدركت عليهم عشرات الأحاديث، واستفتيت في الكثير من القضايا ...، وقد بلغت أحاديثها 2210 حديث، 316 في صحيح البخاري ومسلم، وقد جمع الزركشي بعض استدراكاتها في كتابه: "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"، وهناك استدراكات كثيرة في كتب الحديث والسنن لكن وقع اختيار المؤلف على خمسة وعشرين حديثاً منها فقط، ونظراً لعدم مواصلة هذا النوع من الدراسات فقد بقيت استدراكات عائشة محصورة في هذا العدد تقريباً أو يزيد قليلاً.
وهي أول فقيهة في الإسلام جُمع فقهها في مصنفات، وكانت معينا لا ينضب للعلم النبوي والفقه القرآني، لذلك كان الأكابر من الصحابة إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فوجدوا علمه عندها، فقد أثرت الكثير من الأقوال حول علمها الجم وريادتها المعرفية؛ قال عروة بن الزبير: "ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة"، وقال عطاء بن أبى رباح: "كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة"،وقال أبو موسى: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنهعائشة إلا وجدنا عندها فيه علمًا"،وقال مسروق : "رأيت مشيخة من أصحاب رسولالله الأكابر يسألونها عن الفرائض"[3]، وغير ذلك من الأقوال التي تبين أن الرسول ترك نبراسا مضيئا من العلم والمعرفة ليكون قدوة لكل النساء المسلمات خصوصا إذا علمنا أن عائشة هي أحب الناس إلى النبي كما جاء في الكثير من الأحاديث.
علماء تتلمذوا على أيدي شيخات عالمات
لم يكن العلماء الأعلام عبر التاريخ يجدون أية غضاضة في التتلمذ على أيدي النساء، ولم يميزوا بين الرجال والنساء في طلب العلم، ولم يجدوا أي حرج في القول: قالت شيختي، وذلك لما تشربوه من فلسفة الإسلام في المساواة، فأخذ الكثير منهم العلم عن النساء، كالإمام الزهري والإمام مالك بن أنس والإمام أحمد وأبي يعلى الفراء وأبي سعد السمعاني ، وابن عساكر ، وأبي طاهر السِّلَفي ، وابن الجوزي ، والمنذري ، وابن قيم الجوزية ، والإمام الذهبي ، وابن حجر العسقلاني تعالى...
فقد كان للإمام المنذري تعالى ما يزيد عن عشرين شيخة من النساء هن: صفاء العيش عبد الله الأشرفية الخمرية(ت627هـ) من مصر، وأم حسن غفيبـة بنت عـنان السعديـة (ت635هـ)، وأم الفضل كريمـة بنت الحـق الشافعية ( ت641 هـ)، وأم مفتوح بنت إبراهيم الشامية المصرية (ت625هـ)، وأم أبي العباس عزيزة بنت عبد الملك القرشية (ت634هـ)، والإسكندرية أم محمد خديجة بنت المفضل المقدسية (ت618هـ)، وخديجة بنت الحافظ أبي الطاهر السلفي (ت623هـ)، نعمة بنت علي بن يحيى، ابنالطراح، أم عبد الغني (ت 604هـ) من دمشق، وكريمة عبد الوهاب علي الأسدية (ت641هـ) أم الحياة فرحة قراطاش العوني (ت598هـ) من بغداد، وعاتكة بنت الحافظ أبي العلاء الهمدانية (ت609هـ )، وأم عبد الرحمن يحيى بن علي الهمذاني (ت611هـ )، وحفصة أحمد البغدادية( ت612هـ)، ولامعة أبي بكر المبارك البغدادي(ت613هـ)، وأصبهان أم هانئ عفيفة أحمد الفارفانية (ت606 هـ )، وعائشة معمر الفاخر الاصبهانية (ت 607هـ)، وعين الشمس أحمد الثقفي(ت610هـ)، ونيسابور أم المؤيد زينب عبد الرحمن الجرجاني (ت615هـ)، وهمذان فاطمة الحسن أحمد الهمذاني (ت617هـ)، وحران زهراء عبد القادر الرحفاوي (ت632هـ)، وفي ترجمة كل واحدة منهن العجب العجاب من العطاء والريادة.
وكذلك كان للإمام ابن قيم الجوزية تعالى الكثير من الشيخات منهن أم عبد الغني نعمة بنت علي بن يحيى ابنالطراح(ت604هـ) من دمشق، كريمة عبد الوهابعليالأسدية (641 هـ ، والقاهرة أم عبد الكريم فاطمة سعد الأنصاري(ت600هـ)، وخديجة أحمد محمد الأصبهاني من الاسكندرية(ت623هـ)، وفرحة قراطاش العوني(ت598هـ) من بغداد، وعاتكة الحسن الهمذانية(ت618هـ)، وأم عبد الرحمن يحيى علي البغدادي(ت623هـ )، وحفصة أحمد الأزجية(ت641هـ)، ولامعة أبو بكر الخفاف من أصبهان، وعفيفة أحمد الفارفانية( 598 هـ)، وزينب عبد الرحمن النيسابوري من نيسابور( 609 هـ)، وفاطمة الحسن الهمذاني (611 هـ)من همدان.
كذلك سمع ابن الجوزي تعالى من ثلاث نسوة هن: فاطمة بنت محمد بن الحسين بن فضلويه الرازي البزاز521 هـ، وفاطمة بنت أبي حكيم عبد الله بن إبراهيم الخبري534هـ، وشهدة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الإبري ت574هـ، وترك هؤلاء شهادات عظيمة في حق شيخاتهم لا يتسع المقام لإيرادها.


[1]- صحيح البخاري، كتاب الجمعة، بَاب هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ، حديث رقم900، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة، حديث رقم 442، والحديث بتمامه: عن نافع عن ابن عمر: "كَانَتْ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ قَالَتْ وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي قَالَ يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّه".

-[2] أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الإمامة في الصلاة وما فيها من السنن مختصرة من كتاب المسند، باب اختيار صلاة المرأة في حجرتها على صلاتها في دارها و صلاتها في مسجد قومها، حديث رقم 1689، والحديث عن عبد الله بن سويد الأنصاري عن عمته امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي صلى الله عليه و سلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك فقال : "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك و صلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك و صلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي..."


[3] - تنظر هذه الأقوال وغيرها في كتاب: "الإصابة في معرفة الصحابة" لابن حجر العسقلاني ، ج8، ص18