أهمية دراسة المتشابهات اللغوية في القرآن الكريم
بقلم
الدكتور أنس العمايرة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[ [سورة آل عمران:102].
]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيبا
ً[ [سورة النساء:1].]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً[ [سورة الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

فما أجملَ أن نعيشَ مع كتاب الله العظيم، وما ألذَ أن ندرس كلماته التي جاءت باللسان العربي المبين؛ فقد بثَّ ربُنا في كلماته روحاً من أمره، وجعله نوراً يهدي به من يشاء ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[ [سورة الشورى:52].
وإن من كلماته : "متشابهات القرآن اللغوية" ، التي منها: "ألفاظ متقاربة في المعنى العام مفترقة في المعنى الخاص" . مما يجعل لها الأثر البالغ في تفسير القرآن وفهمِ معانيه فهما دقيقا سليما وفقهِ أحكامه إن نحن فرقنا بينها في الدلالة.

فمن المعلوم أننا مأمورون بتدبر القرآن الكريم قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ (صّ:29) بل أنكر على من لم يتدبره فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (محمد:24) وليس المقصود من التدبر ذات التدبر، بل المقصود: فهم آيات القرآن الكريم من خلال تدبره. والهدف من فهم القرآن الكريم هو: الاهتداء بهديه والعمل بما فيه، وهذا هو غاية المقصود من تنزيله.

والمتشابهات اللفظية لها الأثر البالغ في تفسير القرآن وفهمِ معانيه فهما دقيقا سليما وفقهِ أحكامه؛ إذ إن الخطوة الأولى في فهم معاني القرآن وتفسيرها يتوقف على تحديد دلالات الألفاظ تحديدا دقيقا، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة الفروق الدقيقة بين الألفاظ المتقاربة تقاربا شديدا، التي يظن كثير من الناس أنها تحمل معانيَ مطابقة ومتحدة اتحاداً كلياً تاماً.

ومما يزيد أهمية دراسة "المتشابهات اللفظية" ما يظهر من طغيان الألفاظ التي قيل بترادفها طغيانا كبيرا، حتى أصبح الحكم بالترادف منتشرا بين كثير من طلبة العلم الشرعي؛ وقد أضر ذلك المسلك بالعربية عامة وبفهم القرآن الكريم وتفسيره خاصةً، والعيش معه والشعور بأنه كتاب معجز حقا. ولو أتْعَبَ أصحابُ هذا المذهب أنفسَهم قليلاً وأعادوا النظرة تلو النظرة للاحظوا فروقاً دقيقةً بين الألفاظ التي اتهموها بالترادف.
فإهمال الفروق اللغوية في القرآن والغفلة عنها وعدم الاهتمام بها يعتبر مسلكا خاطئاً وخطيراً جداً.
وقد نبه الإمام الراغب الأصفهاني (ت:503) إلى ضرورة الاشتغال بالعلوم اللفظية اللغوية في القرآن الكريم فقال:
(وذكرتُ أن أوّل ما يُحتاج أن يُشتغل به من علوم القرآن: العلوم اللفظية. ومن العلوم اللفظية: تحقيقُ الألفاظ المفردة؛ فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاوِن لمن يريد أن يُدرك معانيه، كتحصيل اللَّبِنِ في كونه من أوَّل المعاوِن في بناء ما يريد أن يبنيه.
وليس نافعا في علم القرآن فقط بل هو نافعٌ في كل علم من علوم الشرع، فألفاظ القرآن هي لُبُّ كلام العرب وزُبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحِكمهم، وإليها مفزع حذَّاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم، وما عداها وعدا الألفاظ المتفرِّعات عنها والمشتقات منها هو بالإضافة إليها كالقشور والنَّوى بالإضافة إلى أطايب الثَّمَرَةِ، وكالحُثالة والتبن بالإضافة إلى لُبوب الحنطة) [مُعجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني: 8، بعناية إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية في بيروت،ط1(1997). ويسمى أيضاً (المفردات في غريب ألفاظ القرآن)].

والمتشابهات اللغوية في القرآن الكريم تدخل -كذلك- في فلك الإعجاز البياني له؛ مما يجعل هذا العلم -أقصد المتشابه- يحوز أهمية خاصة؛ لكونه سراً من أسرار الإعجاز؛ ذلك باختيار المكان الأنسب لكل كلمتين متشابهتين؛ مما جعل من كلمات القرآن معجزة بيانية خارقة وخالدة، في تنسيقها وترتيبها واختيار مواضعها وتفصيلها التفصيل المناسب، الذي لا هو ضيق ولا هو واسع، بل تفصيل لائق مناسب معجز، إذ لو أردنا أن نستبدل كلمة بغيرها لما وجدنا ما يسد مسدّها من الكلمات العربية على اتساعها وتنوعها، فإما أن يصبح المعنى فضفاضاً وإما ضيقاً، وصدق ابن عطية عندما قال:
(وكتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد) [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الغرناطي:1/101، دار عمار في عمان،(1411هـ-1991) وهي نفس عبارة القرطبي في تفسيره:1/ 105، بلا طبعة ولا تاريخ].

فالحروف والألفاظ في متشابهات القرآن الكريم تحذو حذو المعاني إلى حدٍ لا يمكن أن يكون في غير هذا الكتاب المعجز، وذلك قمة الإعجاز البياني الذي يخلو أي كتاب منه سوى القرآن، ولا عجب من ذلك؛ فهو كلام الله، وكلامه لا يَخْلُق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، كما وصفه علي بقوله : (لا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلُق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبُه....) [رواه الترمذي في سننه في كتاب (فضائل القرآن) باب (ما جاء في القرآن) 5/172، حديث رقم: 2906 ، وغيره]

كما أن علم المتشابهات اللغوية –الذي هو من علوم القرآن- يدخل ضمن "علم الدلالة"؛ لأنه يبحث في العلاقات الدلالية التي تربط بين تلك الألفاظ المتشابه، وتجعلها في حقل دلالي خاص يتقارب فيها المعنى العام، ويفترق في الدلالات الخاصة.

لذلك كله ، ولأهمية علم المتشابهات، وحاجته إلى المزيد من البحث والدراسة والكشف عن الفروق اللغوية بين ألفاظه، ولأثر ذلك كله في تفسير القرآن الكريم وفهم معانيه فهماً دقيقاً؛ كان لزاما على المشتغلين بعلم التفسير الاهتمام بالمتشابهات اللغوية في القرآن الكريم، والعمل على بيان الفروق الدقيقة بين ألفاظه.

بقلم
الدكتور أنس العمايرة