(*) بسم الله الرحمن الرحيم (*)
ما أقرب الموت !!!
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة السلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ، وبعد ...
فقد أحزنني كثيرا وأسال الدمع من عيني ما سمعته من وفاة أخت فاضلة مراسلة لقناة (ثورة 25 يناير) شابة لم تتجاوز الثانية والعشرين ، كانت تُصور بالإسكندرية مع أخت وأم خالد سعيد في ذكرى وفاته ، نسأل الله أن يتقبله في الشهداء ، وبعد سلامها على والدته وأخته ، خرجت وبينا هي تعبر الطريق إذ جاءت سيارة مسرعة على كورنيش الإسكندرية .... وجاء القدر ، إنه الموت الذي لا يفرق بين صغير ولا كبير ، ولا غني ولا فقير ، إنه الزائر الذي لا يطرق على صاحبه بابًا ولا يستأذن عليه حجَّابًا ، يقول الله تعالى :- ((كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ)) هل تذكرنا هذه المعاني ، والله إن الموت لقريب من كل نفس ، لقد تذكرت قول شيخي كامل مصطفى حفظه الله :- إن الواحد منّا يلبس ثيابه ويخرج من بيته ماشيا لا يدري أيعود على قدميه أم محمولاً ؟! أهو الذي ينزع ثيابه أم ينزعها غيره ؟! أ .هـ . من أراد مؤنسًا فالقرآن يكفيه ، ومن أراد غنى فالقناعة تكفيه ، من أراد زينة فالعلم يكفيه ، من أراد جمالا فالأخلاق تكفيه ، ومن أراد واعظًا فالموت يكفيه ، ومن لم يكفه شيء من هذا فإن النار تكفيه .
هل حاسبنا أنفسنا وأعددنا الزاد لهذا الليلة ، إنها ليلة صبحها يوم القيامة ،
تالله لو عاش الفتى في دهره ألفًا من الأعوام مالك أمره
متنعما فيها بكل نفيسة متلذذا فيها بنعمى عصره
لا يعتريه السقم فيها مرة كلا ولا ترد الهموم بباله
ما كان هذا كله في أن يفي بمبيت أول ليلة في قبره
نعم الدنيا تشغلنا عن الآخرة ، الفاني بلهي عن الباقي ، والحريص الذكي من تكون يده في الدنيا وقلبه في الآخرة ، أو ما سمعتم قوله عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله :- ((ورجل قلب معلقُ بالمساجد)) ، أيها الناس إن الدنيا حلوة خضرة فطوبى لمن انتفع بها واغتنم فرصها واختزن خيرها ليوم القيامة ؛ فجعلها قنطرة بها يعبر إلى الآخرة ، وويل لمن فاته خيرها وضيّع فرصها ؛ فجعلها دار مقر ، وإنما هي دار ممر ، يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُّ . كَلاَّ لاَ وَزَرَ . رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ . يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ . بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (سورة القيامة /15:10)
أيها الأخت المسلمة أيها الأخ المسلم : هل فكرت متى وأين وكيف يكون الموت ، هذه الاسئلة وحدها كفيلة بأن تجعل حياتك كلها تسير على نظام قويم يرضي رب العالمين ؛ لأنه الأعمال بالخواتيم ، ((فَإِنَّ الْكَرِيمَ قَدْ أَجْرَى عَادَتَهُ بِكَرَمِهِ أَنَّهُ مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بُعث عَلَيْهِ)) كذا قال الحافظ ابن كثير ، ولهذا قال رسول الله لرجل و هو يعظه : اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك و صحتك قبل سقمك و غناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك و حياتك قبل موتك . صحيح رواه الحاكم واحمد وغيرهما . فأحكم السفينة ؛ لأن البحر عميق وأكثر الزاد فإن السفر طويل وأخلص العمل فإن الناقد بصير ، وعلى قدر الإعداد يكون الجزاء ، وعلى قدر البذل يكون العطاء ، ولا أكرم ولا أجود من الكريم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " رواه البخاري . الله كريم أيها الناس يعطف على عبده المؤمن ويشفق عليه ، ولهذا فإن المؤمن ينتقل بالموت من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، ومن بؤس الدنيا إلى نعيم الآخرة .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
«إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» صحيح رواه النَّسائي وابن ماجة وغيرهما ، وصدق من قال :-
لا تظنوا الموت موتا إنـه ... لحياة هي غايات المنى
لا ترعكم فجأة الموت فما ... هي إلا نـقلة من ههنا
قال النبي :
( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه )
قالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ( ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه . رواه البخاري ومسلم .
والبشرى قول الله تعالى :- إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (فصلت / 32:30) .
(( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي )) (الفجر / 30:27)
عزائي لأهل وأقارب وأحباب هذه الأخت الكريمة نهلة عبد العزيز ، ونسأل الله أن يتقبلها في الشهداء والصالحين ، ونسأل الله أن يجعلنا وإياها من ورثة جنة النعيم ، وأن يجعلنا من أهل الإخلاص والتوفيق واليقين ، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .