هذا ختام بحث "مفطرات الصيام في ضوء المستجدات الطبية المعاصرة"لأخي الدكتور عماد الدين مصطفى الشعار مدرس الفقه "جامعة الأزهر" وقد طبعته لإخواني الدعاة ليستفيدوا منه إن شاء الله تعالى قال بارك الله فيه في ختام هذا البحث أحمد الله العلي القدير إذ أعانني على إتمامه، وأسأله أن ينفع به كل مطلع عليه ،ويطيب لي أن أضع بين يدي القارئ الكريم جملة من النتائج توصلت إليها من خلال هذه التجربة البحثية المتواضعة :

ا ـ حقيقة الصوم هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بشروط خاصة وبنية التقرب إلى الله تعالى.2ـ مفطرات الصيام يقصد بها مفسدات الصيام والتي يؤدي تعاطيها أو التلبس بها إلى الحكم بعدم صحة الصوم ، ولقد اتفق الفقهاء على أن تناول الطعام والشراب عمداً مفسد للصوم ، ومع اتفاق الفقهاء على هذا المناط إلا أنهم اختلفوا في تحقيق بعض مفرداته ، والمختار أن الفطر يتحقق بتناول الطعام والشراب عن طريق الفم أو الأنف بشرط أن يستقر الداخل في الجوف ويتحلل ، بالإضافة إلى كل ما ينفذ إلى البدن ولو من غير الفم أو الأنف مما فيه تغذية للبدن .3ـ اتفق الفقهاء على أن جماع الصائم في نهار رمضان عامداً مختاراً مفسد لصومه ،وموجب للقضاء والكفارة .4ـ يحرم الصيام على الحائض والنفساء، ولو صامتا لم يصح منهما، ويجب عليهما القضاء بعدد الأيام التي أفطرتا.

5ـ اتفق الفقهاء على أن من ذرعه القيء وخرج بدون سبب منه ،فصومه صحيح ، أما من استقاء عمداً فإن صومه فاسد وعليه القضاء .

6ـ اختلف الفقهاء في بيان المقصود بالجوف والذي يتحقق الفطر بوصول شيء إليه من طعام وشراب ونحوه ،والأرجح من حيث الدليل أن الجوف هي تلك القنوات التي يحصل فيها انتفاع البدن من الطعام والشراب وهذا يحصل في المعدة والأمعاء ، أما ماعدا ذلك لا يعد جوفاً في المصطلح الشرعي أو المستخدم عند الفقهاء .


7 ـ اتفق الفقهاء على أن المرض من الأعذار المبيحة للفطر في الجملة ، وحدوا المرض بأنه كل ما من شأنه أن يخرج به الإنسان عن حدّ الصحة ، أو يخشى منه الهلاك أو التلف ، أما الشيء الخفيف كالسعال والصداع فلا يجوز الفطر بسببه ،وإذا ثبت بقول الطبيب الثقة أو علم الشخص من عادته وتجربته أو غلب على ظنّه أن الصيام يجلب له المرض أو يزيده أو يؤخر البرء ويشق عليه فيجوز له أن يُفطر .8ـ اختلف العلماء المعاصرون في حكم تناول بخاخ الربو وأثر ذلك على الصوم ، والراجح أنه لا يفطر ولا يؤثر على صحة الصيام .9ـ الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج بعض الأزمات القلبية وما في حكمها، لا تفطر الصائم بشرط أن لايتحلل منها شئ فيبتلعه الصائم .10ـ تناول أدوية موضعية في الفم ،وذلك مثل الغسولات الفموية ، وبعض أدوية الفطريات الموضعية ،والعلاج الموضعي للأسنان واللثة ، فهذه الأدوية عند جمهور الفقهاء لا تؤدي إلى الفطر بشرط أن يبصقها بعد تناولها .11ـ اختلف الفقهاء في تحقق الفطر بوصول غير المغذي إلى الجوف ،والأرجح أنه لا يتحقق الفطر بما دخل إلى الجوف إلا أن يكون مطعوماً أو مشروباً مما ينتفع ويتغذى به البدن .

12ـ عملية منظار المعدة لا تؤدي إلى الفطر ؛ لكونه غير مغذي ،وعدم استقراره في الداخل ، إلا إذا صاحب عملية المنظار استخدام مواد أخرى كمحلول الملح والمراهم ونحو ذلك ، ففي هذه الحالة يفطر الصائم بذلك ؛ لا لأجل المنظار بل لكون المواد المرافقة لعملية المنظار مواد مغذية دخلت إلى الجوف وينتفع بها الجسم .13ـ استخدام أدوية موضعية في الأنف كالمراهم ونحوها لا تؤثر على صحة الصيام .14ـإذا احتاج الصائم لاستعمال قناع الأوكسجين لضيق في تنفسه ،ونحو ذلك فلا يبطل صومه ؛لأنه مجرد هواء يستنشق .15ـ قطرة الأنف أوبخاخ الأنف لا تعد من المفطرات إذا اجتنب الشخص ابتلاع مانفذ إلى الحلق .16ـ إذا استعمل الأنف طريقاً للتغذية - في بعض الحالات - فما يصل منه إلى الحلق يفسد الصيام.17ـ اختلف الفقهاء في مدى اعتبار العين منفذاً إلى الجوف ، فيرى فقهاء الحنفية والشافعية ،والظاهرية أن العين ليست بمنفذ وبالتالي فإن التقطير في العين ، أو وضع دواء فيها، ودهن الأجفان ، حتى ولو وجد الصائم طعم ذلك في حلقه ، فإن ذلك لا يفسد صومه ؛ لأنه لم يصل من منفذ مفتوح ، إنما ناتج عن تشرب المسام ، بينما يرى فقهاء المالكية والحنابلة أن العين منفذ ظاهر إلى الحلق كالفم، والأنف ،فإن تداوى الصائم بدواء وجد طعمه في حلقه فإن ذلك مفسد لصومه ، والأرجح أن التقطير في العين أو وضع دواء فيها لا يعد من المفطرات ، لعدم نفاذ ذلك إلى الحلق ، حيث يمتص خلال المرور بالقناة الدمعية ، وإن وصل فإنه شيء يسير يعفى عنه .18ـ إن مجرد وضع الدواء أو القطن أو آلة الفحص في مجرى السمع الخارجي للأذن لا يُفطر بذاته طالما أن غشاء الطبل سليم ؛ لأن الأذن ليست منفذاً للحلق ،أما إذا كان غشاء الطبل مثقوباً أو تالفاً ،ففي هذه الحالة يمكن أن يصل الدواء أو ماء غسيل الأذن من مجرى السمع الخارجي إلى الأذن الوسطى ،ومنه إلى الحلق، وعليه فإذا شعر المريض بالمادة في حلقه وابتلعها عمداً فإنه يُفطر، أما إذا شعر بها وتنخمها ولم يبتلعها عمداً فلا يفطر .19ـ إدخال قسطرة أو منظار إلى الجهاز البولي، أو إدخال سائل أو دواء أو غيره عبر الإحليل إلى المثانة لا يعتبر مفسداً للصيام ؛لعدم وجود علاقة بين الجهاز البولي والجهاز الهضمي" الجوف "، والأصل صحة الصيام. 20ـ ما يدخل المهبل من تحاميل"لبوس "،أوغسول ،أو منظار مهبلي، أو استخدام إصبع للفحص الطبي، أو إدخال المنظار أواللولب ونحوهما إلى الرحم لا يعد من المفطرات ؛ إذ لا علاقة لذلك بجهاز الهضم ، وهو بعيد كل البعد عنه ، فلا يكون إذن سبباً للإفطار وإفساد الصيام ؛ إذ أن الأصل صحة الصيام ، ولايترك هذا الأصل إلا بيقين .21ـ إدخال غير متحلل "الجامد"عبر فتحة الشرج ويشمل هذا جهاز المنظار ونحوه ،والكشف بواسطة الأصابع ، أو إدخال قطن ونحوه من الجوامد ، غير مفطر إذا كان غير مطلي بمرهم ونحوه عند المالكية والحنفية ،وهو مفطر عند الشافعية والحنابلة ، أما إذا كان مطلياً بمرهم ونحوه فهو غير مفطر عند المالكية ، مفطر عند المذاهب الثلاثة الأخرى،والأرجح أنها غير مفطرة مطلقاً ؛لأنها ليست بطعام ولا شراب ولا تغذي بوجه من الوجوه ولا تصل إلى المعدة .22ـ إدخال متحلل عبر فتحة الشرج، كالسوائل المحتوية على مواد بقصد الكشف أو التحضير للعمليات الجراحية ،أوللمداوة ، أو لتيسير إخراج البراز"الحقنة الشرجية "، ونحو ذلك لا تؤدي إلى الفطر ، حيث لا يوجد دليل على تحقق الإفطار بها، وحصول الامتصاص مشكوك فيه، فتبقى على حكم الأصل ،والأصل هو استصحاب الصيام وعدم الإفطار، ولا يخرج منه إلا بيقين .23ـ اللبوس والمراهم ونحوهما لا تؤثر على صحة الصوم ؛لأنها تمتص من مكانها بواسطة شبكة كبيرة من الأوردة الدموية للدم مباشرة، و لاتصل إلى الجوف ، فضلاً عن أنها ليست أكلا ولا شرباً ، ولا في معناهما .24ـ الحقن العلاجية سواءً كانت عبر الأوردة الدموية والشرايين، أو تحت الجلد ،أوفي العضل ،أوعبر مفاصل العظام،فعلى الأصول المعتمدة في سائر المذاهب الفقهية لا أثر لها على صحة الصوم ؛ إذ لا علاقة لها بالمفطرات ؛لأنها ليست أكلاً، ولا شرباً، ولا هي في معناهما، وإنما دخلت إلى محل لا يعتبر جوفاً عند الفقهاء ،وتصل إلى البدن عبر المسام .25ـ الحقن التي توصل أغذية أو مقويات إلى الدم مباشرة عن طريق الأوردة أو الشرايين ، فهذه تفسد الصوم؛ لأنها صارت منفذاً - عرفاً - لإمداد الجسم بالغليكوز والصوديوم وأنواع الأحماض المختلفة وكل السعرات الحرارية ، مما يؤدي إلى اكتفاء البدن واستغنائه عن المواد المألوفة من أنواع الطعام والشراب ، فصارت في حكم الأكل والشرب، والشارع الحكيم لا يفرق بين شيئين متماثلين بالمعنى .26ـ ما يدخل الجسم امتصاصاً عن طريق الجلد كالدهونات ،والمراهم ، والزيوت ،واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية ونحو ذلك ،لا أثر لها على صحة الصوم ؛ لعدم منافاتها لحكمة الصوم ؛ لأنها تعطى عن طريق الجلد ،وهو لا يمتص الغذاء ، وحتى لو امتص شيئاً منه عن طريق المسام ، فلا علاقة لذلك بالجهاز الهضمي .27ـ إذا تمت عملية قسطرة في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من أعضاء الجسم دون أن يصاحبها إدخال أي مواد إلى جسم المريض ، فهي لا تؤدي إلى الفطر ؛لأنها ليست مما نص الشارع على الفطر به ، وليست في معنى المنصوص ، ولا تدخل إلى الجوف ، أما إذا صاحب عملية القثطرة حقن أية مادةكالمحلول الملحي الذي يحقن للتأكد من جريان القسطرة ونحوه ، ففي هذه الحالة يفطر الصائم بذلك ؛ لا لأجل القسطرة بل لكون المواد المرافقة لعملية القسطرة مواد مغذية دخلت إلى الجوف وينتفع بها الجسم وهذا يتحقق به الفطر بلا نزاع .28ـ إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها ونحو ذلك ، لا يعتبر بذاته سبباً للإفطار إلا إذا ترافق ذلك إعطاء المريض سوائل أو محاليل أو مواد أخرى.29ـ اختلف العلماء المعاصرون في شأن الغسيل الكلوي ،فمنهم من يرى أنه مفسد للصوم ، ومنهم من يرى أنه غير مفسد للصوم وهو الأرجح .30ـ التخدير الموضعي الذي يقتصر تأثيره على منطقة معينة من الجسم ،ولا يفقد الصائم وعيه ، لا يعد مفسداً للصوم ، ولا أثر له على صحته .

31ـ التخدير العام أو الكلي إذا أدى إلى فقدان كامل للوعي والإدراك جميع أجزاء النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فإنه على الراجح مفسد للصوم، وإذا أفاق من خدر بعد أن نوى الصيام من الليل في أي جزء من النهار فصيامه صحيح على الأرجح .32ـ إذا صاحب عملية التخدير إعطاء سوائل مغذية للمريض عبر الوريد ، ففي هذه الحالة يفطر الصائم بذلك ؛ لا لأجل التخدير بل لكون المواد المرافقة لعملية التخدير مواد مغذية دخلت إلى الجوف وينتفع بها الجسم .33ـ التبرع بالدم يقاس على الحجامة ،وفيها خلاف بين الفقهاء ،فعلى رأي جمهور الفقهاء أنها غير مفسدة للصوم ، وعليه فإن التبرع بالدم غير مفسد للصوم ،ولكن قد يكره في حق من يضعف بسببه ،حتى لا يتعرض إلى ما يضعف جسمه ،وهو الراجح ، وعلى رأي الحنابلة ومن وافقهم فإن الحجامة تعد من المفطرات ، وعليه فإن التبرع بالدم مفسد للصوم .34ـ أخذ عينة من الدم للفحص المختبري ونحو ذلك ، لا أثر لها على صحة الصوم ؛ لعدم وجود ما يقتضي الفطر وقلة الكمية المسحوبة ومشابهتها الرعاف ونزف الجروح الصغيرة ،فتدخل ضمن الأشياء المعفو عنها .35ـ أخذ عينات (خزعات) من أعضاء الجسم ، بواسطة إبرة أو أدوات التنظير ، فهذا لايؤثر على الصوم ولا يكون سبباً للإفطار، إذ لا علاقة لذلك بالجهاز الهضمي ، ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل .36ـ أخذ العينة " الخزعة" عن طريق الأنف تؤدي إلى الفطر ، لا بسبب الخزعة ذاتها وإنما بسبب المخدر الموضعي الذي برش في حنجرة المريض،فهو دواء واصل إلى الحلق ، والواصل إليه يؤدي للفطر،وكذلك أيضاً بسبب المادة المزلقة المصاحبة إن وجدت .