يصِفُ بعضُ العلماء والنقاد العصرَ الحديث بأنه (عصر النقد)؛ وما ذاك إلا لبروز النقد واتساع مجاله وكثرة طُرُوقِه، ولدخول النقد في علوم كثيرة ونشاطات متعددة بمفهومه الذي يَعنِي التقويمَ، والحُكْمَ، وإظهارَ العلل، وإبرازَ المحاسن، والتطلعَ إلى الجيد، واستشرافَ التطور وَفْقَ معاييرَ وأسسٍ معينة، ورؤىً واضحة محددة.

والنقدُ الأدبي - لكونه أحدَ فروع النقد وأكثرها انتشاراً وسيراً في الآفاق - كثُرَ وتعددت مدارسُه، واختلفت فلسفاتُه، حتى أصبحت المذاهبُ تتغير وتتبدلُ بمرور الزمن وتقادُمِ العهد، وكأنها ألبِسَة وأمتعة تخلُقُ فيُبدَّل غيرُها بها.

ولعلَّ من أسباب نشوء المذاهب النقدية والأدبية ما يلي:
1- الثورة بمفهومها الواسع، وابتدأت الثورةُ بالثورةِ على الكنيسة وسيطرتها على الحياة، ثم الثورة الصناعية، حتى أصبح مصطلح (ثورة) يدل على كل ما هو حسن وجيد، ومن هنا ثار الأدباءُ على النظام السائد في الأدب والنقد، بهدف التجديد ومحو السابق؛ إما لقِدَمه فقط، أو لعدم وفائه بتطلعات إنسان اليوم.
وقد كان لنجاح الثَّوْرات الكبرى كالثورة الصناعية أثرٌ في إذكاء الروح الثائرة المتطلعة للخروج عن بوتقة القديم وكسر حاجزه، والتخلص من منطلقاته وأفكاره التي كانت سائدة مدة من الزمن.

2- كما أن العداوةَ سبب آخر، ولها ضلع ظاهر في نشوء المذاهب الأدبية والنقدية، إذ كثيراً ما كان الدافعُ لنشوء مذهب ما الوقوفَ في وجه مذهب سابق له، أو عداوة بين أقطاب المذاهب حتى يستقل آخر بمذهب جديد، ويقرر له فلسفته ونظريته، وما نشوءُ (الرومانسية) إلا وقوفٌ في وجه (الكلاسيكية) التي محضت الأدب للغير، فجاءت الرومانسية تنادي بأن يكون الأدب ذاتياً؛ ينبع من النفس، ويعالج قضاياها، ويغوص في أعماقها، ويعبر عنها. وما لبثت الرومانسية أن هوجمت من قبل البرناسة (مذهب الفن للفن) - وهي مجال الدراسة - إذ جعلت الأدب - كما يرى أصحاب الفن للفن - وسيلة للتعبير عن الذات، فالحق أنه غاية ومطلب في حد ذاته في رأي أصحاب الفن للفن، وهكذا استمرت السنة مع (التفكيكية) مثلاً في ثورتها على (البنيوية)، وهلم جرا.

3- ولعلَّ من أبرز الأسباب وأكثرِها إعانةً على تعدد المذاهب وتطاحنها فيما بينها: سهولةَ النشر والطباعة، وكثرةَ الكتاب والمؤلفين الذين ينطلقون في كتابات عقلية؛ يقررون ويضعون الأسس للأدب من خلال نظرة ربما لا تكون بالضرورة صحيحة، بل قد تكون ضرباً من الجنون والعبثية، ثم ما تلبث تلك الرؤى والأفكار التنظيرية أن تخرج في كتاب ويترجم وترُوج سُوقُه، ثم يقرَّظ ويمدح أو يذم، وهذا يقود إلى السبب التالي:

4- ما يمارَس في الصحف من نفخ وتمجيد لمذاهبَ جديدة أو منطلقات نقدية وأدبية حديثة، فحين تكثرُ الصحف ويتعدد المحررون والصحافيون وتحكمُهم الأهواء و(الشللية) فما يقوله فلان - بالنظر إلى شخصه لا ما جاء به - هو الصواب والنظرة الجديدة المتوافقة مع المدنية أو الحضارة أو الحداثة أو غيرها من التسميات البراقة التي لا تنطوي على كبير معنى أو أثر. وقد ساعد هذا في نشر وانتشار مذاهبَ مَنْ يُعيدُ النظر فيها يجدُها لا تستحق ما خُلِع عليها وما وهبت من مدح وثناء وإشادة، أو على الأقل لا تستحق بعضه.

5- صدور أصحاب المذاهب الأدبية عن فهم سقيم للأدب، أو قل: عدم فهم الأدب على حقيقته عند أولائك الكتاب والنقاد - إن صحت التسمية - كما أن لضعف الدين أثراً في ذلك الفهم السقيم والغفلة عن أهداف الأدب ومهامه في الحياة، حتى نشأ جيل لا يرى ضرورة في أن يتصل الأديب بالمجتمع، ولا يهم أن يُخاطب أدبُه النخبةَ - إن فهموا أصلاً - دون غيرهم، المهم أن يطبِّق الأديب تلك الفلسفة ويسير على نهجها، حتى يصل الحال بالأدب إلى ألفاظ لا تُعقَد على معانٍ، أو معانٍ لا تنطوي على فائدة، أو فائدة تهدم ولا تبني، وتنحط ولا تسمو.

ثم إن لكل مذهب أدبي - مهما كان مصدرُه أو ادعاءاتُ أصحابه - فلسفةً وعقيدة يدور عليها ذلك المذهب، ونظريات فكرية ينعقد عليها ذلك المنهج، وإن دعا من دعا إلى ضرورة الفصل بين العقائد والأديان وبين الأدب، وإن بكى من بكى (أدلجةَ) الأدب وتسييسَه وضرورة البُعد عن تمييع الأدب في العلوم الأخرى دينيةً أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها.

ثم إن سُلِّم لهم جدلاً إبقاء الأدب خلواً من العقائد والأديان والمذاهب، لو سُلِّم لهم ذلك جدلاً فإن مقومات تلك المناهج ستنطوي على عقائد جديدة إلحادية عابثة، دينها اللادين، وعقيدتها تمجيد الإنسان والوصول به إلى مراتب الألوهية! جل ربنا عن الشريك والمعين والصاحب والولد!.

إن المذاهب الأدبية في العصر الحاضر - وأهمها الحداثة وما بعدها - لتتخبط في ظلمات الحيرة والشك والاضطراب - إلا من رحم الله - يوم أن تخلت عن دينها وعبدت هواها، وهدمت كل يقين وكل سلطة كانت سائدة، حتى صار العقلُ وحده المحور في هذا الكون، وهو الذي يملي على الإنسان علاقاته وتقديره للأشياء، وغدا العقل - على ضعفه وقلة إدراكه - مشرِّعاً وساناً للقوانين التي يجب أن يسير عليها الإنسانُ في هذه الحياة ويأتمر بأمرها.

تلك هي سماتُ وأسباب نشوء المذاهب الأدبية، التي ضاعت وضيَّعت معها الكثيرين، ويريد أبناءُ الإسلام السير على منوالهم والخطوَ على طريقتهم، مع أن الفارق شاسع، والبون ظاهر بين عقيدتهم وعقيدتنا، الحقيقة في الإسلام ظاهرة واضحة لا غموض فيها ولا شك ولا تدليس، إن المسلم حين يُسأل عن الكون يُسأل عن معلوم لديه، وحين تُطرق بحضرته مشكلاتُ العصر وقضايا المجتمع يجد لها - بإذن الله - حلولاً، لا يتردد في ذلك ولا يتلعثم، تلك هي العقيدة الإسلامية الواضحة الصريحة، فهل يعي أبناؤنا ذلك ويتركوا تقليد الغرب؟ وهل يلتفت الأدباء لمنهج الإسلام في الأدب ويسيروا وَفق سنن الحياة التي شرعها الله لعباده؟ اللهم اكتب ذلك، وأرنا من إخواننا أوبةً إلى سبيل الحق وطريق الفلاح.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Literature_Lan...#ixzz1SqHEyuBo