من عبقرية الرسول الأكرم أنه كان يستنبط من القرآن، ويفتي بالقرآن، لأنه يجري منه مجرى النفس، كيف لا وهو يحيا بالقرآن.
لما نزل قوله تعالى:( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) الآية
وبين فضل الخيل وعظيم منزلتها، سئل رسول الله عن الحُمُر، فقال: (ما أنزل الله فيها شيئًا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
رواه البخاري برقم (4962) ومسلم برقم (987).

إذا فالنبي يستدل بعموم الآية.
وهذا يوضح سبب إيراد الحديث عن الحُمُر عند آية الزلزلة، عند من أورده مجرداً كالشوكاني.
ولطيفة أخرى: كنا في درس في مسجد الرسول عند أحد المشايخ فكان القارئ يقرأ الحديث السابق فقرأ وسئل رسول الله عن الخمر الحديث...
ففطن الشيخ وقال: بل هي الحُمُر.
لأنه لا يصح على هذا أن يقال ما أنزل الله فيها شيئًا. وقد نزل في تحريمها عدة آيات على مراحل متدرجة معلومة.
ومن فقه الإمام البخاري أنه أورد الحديث في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب: الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها وقد أخبر النبي أمر الخيل وغيرها ثم سئل عن الحمر فدلهم على قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره .
إذا فالإمام البخاري يجعل الحديث عمدة في الاستنباط والاستدلال، وكما يقول العلماء ففي الكتاب والسنة الكفاية ـ كل الكفاية ـ نصاً أو استدلالاً.
قال المهلب: هذا الباب ليس على العموم فى أمر النبى - - ؛ لأنه قد علم أمته كيفية القياس والاستنباط فى مسائل لها أصول ومعانى فى كتاب الله ومشروع سنته؛ ليريهم كيف يصنعون فيما عدموا فيه النصوص؛ إذ قد علم أن الله تعالى لابد أن يكمل له الدين. والقياس: هو تشبيه ما لا حكم فيه بما حكم فى المعنى فشبه - - الحمر بالخيل، فقال: ما أنزل على فيها شىء غير هذه الآية الفاذة الجامعة: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8].

ولطيفة أخرى: في الحُمُر والحُمْر
فالحُمُر بضمتين متتاليتين جمع حمار.
والحُمْر بضم فسكون من اللون الأحمر
وكلاهما ورد في القرآن، الأولى ففي سورة المدثر، والأخرى في سورة فاطر.
ولطيفة أخيرة:
( الآية الفاذة) فيه تسمية النبي للآية بهذا الاسم.
وفي مسند الإمام أحمد (6732) قول الرجل المسن: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة، فأقرأه ( إذا زلزلت الأرض).
قال الإمام النووي: (معنى (الفاذة) القليلة النظير، و(الجامعة): أي العامة المتناولة لكل خير ومعروف. وفيه اشارة إلى التمسك بالعموم ومعنى الحديث لم ينزل على فيها نص بعينها).