هذه مقدمة كتاب حجج القرآن الذي صدر حديثا من مكتبة الدائرة الحميدية في الهند وهو من الكتب التي شرع الإمام الفراهي في تأليفها ولكن لم يكتب لها الإتمام، وقد أحببت أن أقدم بين يدي القراء هذه المقدمة، وهي تحتوي على وقفات في غاية الأهمية، وتعطي فكرة عن المشروع الذي كان يحمله المؤلف الإمام.

أما بعد! فهذا كتاب من مقدمة نظام القرآن أفردته لذكر أعظم ركن من كتاب الله وأول أمر من نعت هذا النبي وآخره، وهي أربعة : تلاوة الآيات، والتزكية، وتعليم الكتاب والحكمة كما سبق. فقدم تلاوة الآيات، وختمها بالحكمة. فهاتان كالبذر والثمر، وما بينهما طريق الوصول وأعلامها. فالأولى مقرونة بالأخرى إلا أن يزيغ السالك عن الطريق فيضل عن الغاية كما صرح به في غير موضع … ولنبين محل هاتين وملازمتهما.
(فصل) في آيات الله……(فصل) في الحكمة……
فإنها الأصل لما يتلو، وكان أفخم جانب الآيات وأقدمه هو الخطاب إلى الإنسان من جهة فطرته، ودعوته إلى الحق من جهة بصيرته. وذلك بأن أول أمر الدين الإلهي هو الدعوة إلى الإيمان بعلم وبصيرة، كما قال تعالى آمراً لنبيه: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (سورة يوسف/108). وأيضاً: اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (سورة النحل/125). ولذلك كثر القرآن في أوائل الدعوة من ذكر الآيات الدالة علي ما يؤمن به من التوحيد والمعاد والرسالة، وهذا ظاهر جدا ومفصل في موضعه.
فالعلم الذي يبين الطريق إلى فهم هذه الدلائل حتى ينتهي إلى الحكمة التي هي نهاية السعادة كان على غاية الأهمية من جهات كثيرة :
(1) من جهة كونه أساسا ومفتاحا.
(2) من جهة أنه خطاب إلى أعلى ما في فطرة الإنسان من العلم والرشد.
(3) ومن جهة أنه الفارق بين الدين الحق الذي بني على الحكمة والهدى والذي بني على محض التقليد والعمى.
وأما الحاجة إلى هذا العلم فليست للتنبيه على شئ قليل مغمور مستور. فإن القرآن مفعم بما يخاطب به العقول لاسيما في بداية أمره والسوابق من سوره، كما لا يخفى على كل من يقرأ هذا الكتاب الحكيم بأدنى تأمل. ولا لبعد وتعقيد في دلائله ، فإنها أقرب إلى الفطرة. وقد صرح به كثيرا مثلا في قوله تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلاَّ الظَّالِمُونَ (سورة العنكبوت/49). وقد سمى الله تعالى هذا الكتاب الهدى والفرقان والحكمة والبرهان والحق والتبيان والروح والنور والشفاء لما في الصدور وأمثالها مما يطول استقصاؤه، وهو مبسوط في موضعه.
وإذ كان الأمر كذلك فلم نحتج إلى تأسيس هذا العلم إلا لما هو من العوارض الخارجة. فكما أن الحاجة إلى الدواء تكون لأجل المرض فكذلك احتياجنا إلى هذا العلم إنما لما استحوذ على الناس من الأسباب العائقة عن درك ما جاء به القرآن من الدلائل الواضحة. فلنذكر هذه الأسباب لتعلم عمومها وشدتها فيتضح لك مقدار الحاجة إلى العلم الذي يدفعها. فهذه الأسباب على الجملة سبعة :
الأول : أن أكثر الذين معظم همهم التدين والاشتغال بالكتاب والسنة يظنون أن طريق العقل مبائن للتعليم الإلهي. فيزعمون بأن الإيمان مبني على إخبار من الأنبياء عليهم الصلاة وإنما عرفناهم بالمعجزات، فكل ما علمونا من الإيمان والشرائع تقبلناه بمحض إخبارهم. فإنه لو كان للعقل سبيل إلى علوم الدين لكنا في غناء عن الوحي. ولو لا ذلك لما مدح الله الإيمان بالغيب.ومن غلبة هذا الظن زعموا أن الشرائع كلها مبنية على أمر الله تعالى بها فيلزمنا أخذها من غير طلب الحكمة فيها. وبما صاروا على هذا الرأي صُرفوا عن استعمال العقل والفكر في أمور الدين كلها، فكيف بالتفكر في دلائل القرأن.
والباعث الأصلي على هذا الرأي ما وجدوا عيانا من الخبط والشطط في المنتسبين إلى العقل من الفلاسفة والمتكلمين فأساؤا الظن بالمعقول. ولكن قد تبين لي أن ضلالهم لم يكن من جانب العقل بل من تسلط التفلسف وتركهم طريق الفطرة التي هدى الله سبحانه إليها بكتابه وتعليمات رسله. فرأينا الحاجة إلى ذكر هذا الطريق ليركنوا إلى ما جاء به القرآن من الحجج البالغة والحكم البازغة، ومن الحث على استعمال النظر والفكر ومن مدح أرباب العقل والحجر. وكذلك رأينا الحاجة إلى إبطال مافهموه من الإيمان بالغيب، ومن بنائه على محض المعجزات دون الآيات البينات المشهودة في الأنفس والآفاق المنشورة في تمام القرآن المستعملة خاصة لدعوة الناس من طريق الحكمة والاستدلال دون التقليد ومحض الاعتقاد كما قال تعالى : اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (سورة النحل/125). ولذلك نظائر لا تحصى.
والثاني : ما تعلق بالذين معظم همهم المعقول من المنطق والفلسفة، فإنهم قد ابتلوا بعقليات سافلة زائغة عن طريق الفطرة والهدى مفضية إلى محض الحيرة وصريح العمى كما لا يخفى على من نظر في خزعبلات المتفلسفين العاشين عن نور الوحي والكتاب. ولذلك حذر السلف عن الاشتغال به ولكن أبى الناس إلا النظر فيه والولوع به والإخلاد إليه، ثم بعد التجربة والمعرفة بها قد انتبهوا لمضارها.
فمنهم من أبطل بعض أباطيلها وأبقى بعضها محسنا به ظنه كأبي حامد (الغزالي) . فإنه بيَّن تهافت ما في إلهيات اليونانين ولكنه هو الذي أدخل منطقهم في الإسلام، فكان كمن قتل الأفعى وربى أولادها. وكذلك اتخذ أخلاقياتهم وبنى عليها كتابه "ميزان العمل"، فلم يخرج عن اتباع الفلاسفة مع غلوه في ردهم.
وأما ابن مسكويه والطوسي وأمثالهما فهم مجاهرون بتقليد اليونان في الأخلاقيات. ومنهم من انتبه لأكثر من ذلك كابن تيمية ، فرد على المنطقيين رداً طويلا ودل على زيغ نهج المتكلمين ولكنه اقتنع بالهدم ولم يبن قصراً يأون إليه. والناس قلما يتركون ما اعتادوا به من دون بدل يتخذونه عوضاً عما ينبذونه.
وكنت أجد في القرآن أصولا للاستدلال والنظر أقرب إلى العقل وأرسخ في القلب من أصول منطق اليونانيين، ودلائل أصح وأثبت من أدلة الفلاسفة والمتكلمين، وأتعجب ممن يتغافل عنها. فتأكد عندي الحاجة إلى جعلها موضوع علم مستقل، وعرضت جملة منها على بعض الأذكياء من العلماء فألح علي بإتمامه غاية الإلحاح. فرجوت أن يتقبله أهل النظر ويزول به بإذن الله ما منع الناس عن فهم ما جاء به القرآن من بوالغ الحجج لما اشتغلوا به من العلوم السافلة المبعدة عن استقامة العقل وسداد الفكر. وذلك من الجهة الكلية الأصولية.
والثالـث : إنه قد تعلق بهم من أباطيل المنطق ظن خاص منعهم عن معرفة ما في دلائل القرآن من الرسوخ. وذلك ظنهم بأن القضايا الأخلاقية مظنونات ولا تقوم بها البرهان، ولم يتفطنوا أنه يهدم الدين كله مع أنه يهدم جانبا عظيما من حكمتهم وهو الحكمة العملية. فلو لم يكن في المنطق من الضلالة إلا هذا القول الباطل والسم القاتل لكان أولى بأن ينقدوا أمره ويتقوا شره.
وأتعجب من أبي حامد مع حميته للحق وحمايته للصدق كيف اتخذ المنطق على علاته معيارا للعلم ومحكا للنظر، ثم لم يكتف بذلك بل إدعى أنه أخذه من القرآن، وإنما أخذه من اليونان. ولا شك أن استدلال القرآن لا يخالف ما صح من المنطق ولكن أين الجذوة من النور الأعظم والوشل من البحر الخضم. ولو أنه أخذه من القرآن لكان محترزاً عن أباطيل المنطقيين، ولكنه قد اتبعهم كل الاتباع حتى فيما زاد المتأخرون على واضعه الأول من الجهالات، فقلدهم في كل نفير وقطمير. ومن ذلك أنه جعل أوليات الأخلاق من المظنونات، فقال في كتابه "محك النظر في مدارك اليقين والإعتقاد" إذ جعلها سبعة أقسام :
(السابع المشهورات) وهي أراء مجموعة أوجب التصديق بها إما شهادة الكل أو الأكثر أو شهادة الجماهير أو الأفضل. كقولك الكذب قبيح، والإنعام حسن. وشكر المنعم حسن وكفران النعمة قبيح. وهذه قد تكون صادقة وتكون كاذبة فلا يجوز أن يعول عليها في مقدمات القياس، فإن هذه القضايا ليست أولية ولا وهمية. فإن الفطرة الأولى لا تقضى بها."
وقال : "ولو كلفت نفسك الشك في أن الإثنين أكثر من الواحد لم يكن الشك متأتيا بل يتأتى الشك في أن العالم ينتهى إلى خلاء وهو كاذب وهمي ولكن فطرة الوهم تقتضيه والآخر تقتضيه، فطرة العقل. فأما كون الكذب قبيحا فلا تقضي به لا فطرة الوهم ولا فطرة العقل بل ما ألفه الإنسان من العادات والأخلاق والإصطلاحات. وهذه أيضا مغاصة مظلمة يجب التحرز عنها، وقل من لا يتغير بهذه المقدمات ولا تلتبس عليه باليقينيات."
وقال : "والمشهورات تصلح للفقهيات الظنية ولا تصلح لغيرها."
وأكبر من ذلك إنه أبطل حكم الفطرة فقال :
"وليس كل ما تشهد به أول الفطرة قطعا هو صادق بل الصادق ماتشهد به قوة العقل فقط ومداركه الخمسة المذكورة."
وهذا استعماله اسم أول الفطرة في معنى خاص ثلمة لا تسد، فإن اتهام الفطرة يفضي إلى الشك في كل شئ. وإنما قال ذلك تقليدا لبعض الفلاسفة فإنهم زعموا أن الحواس تغلط وهذا باطل فإن الغلط إنما يجئ من قبل الاستنباط، وهو من فعل العقل لقياسه مع الفارق كما هو الآن معلوم بين الفلاسفة.
ولما أدخل أبو حامد المنطق في الإسلام تلقاه الناس بالقبول وخروا عليه صما وعميانا، وتمكن في قلوبهم أن هذا هو طريق معرفة الحق، وبذلك خيل إليهم أن دلائل القرآن إنما هي محض الخطابيات. وهذان السببان، أعني الثاني والثالث، هما من أكبر الدواعي وأعظمها للحث على وضع علم مستقل يتبين به طريق النظر الصحيح في آيات الله البينات التي تشهد بها الفطرة السليمة.
والرابع : وهو من قبيل الثالث ما تسلط على المولعين بإلهيات الفلاسفة مع إيمانهم بالنبوات من الوهم بأن مسائل التوحيد والربوبية إنما يبرهن عليها بطريق الفلسفة، وأما الأنبياء فلم يأتوا إلا بالإقناعيات. وهذا التوهم صرفهم عن فهم ما أنزل الله من الحكمة البازغة ولم يعرفوا قدره العظيم. وفشا هذا الرأي حتى غلب على المتكلمين ممن آمنوا بالوحي والمرسلين، فصار جل همهم إثبات هذه المسائل على طريق الفلاسفة ولم يعلموا أن الفلاسفة إنما أخذوها من تعليم الأنبياء حسب اعترافهم مع تخليط من عند أنفسهم. قال الفارابي في "كتاب الجمع بين رأي الحكيمين" :
"ليس لأحد من أهل المذاهب والنحل والشرائع وسائر الطرائق من العلم بحدوث العالم وإثبات الصانع له وتلخيص أمر الإبداع ما لأرسطوطاليس وقبله لأفلاطون ولمن يسلك سبيلهما. وذلك أن كل ما يوجد من أقاويل العلماء من سائر المذاهب والنحل ليس يدل على التفصيل إلا على قدم الطبيعة وبقائها."
وبعد ذلك اعتذر وانتصر للشرائع فقال ما خلاصته: أن الله تعالى جعل كل شئ في محله وفوض كل أمر إلى أهله. ولما كان خطاب الشرائع عامة والجمهور لا يقدرون على تصور البرهانيات جعل الشرعيات على قدر أفهامهم حتى قال :
"البرهانيات موكولة إلى أصحاب الأذهان الصافية والعقول المستقيمة، والسياسيات موكولة إلى ذوي الآراء السديدة، والشرعيات موكولة إلى ذوي الإلهامات الروحانية. وأعم هذه كلها الشرعيات (ولعله بعد هذا القول انتبه على ما في الوحي من الحكم الغامضة فقال مناقضا لقوله) وألفاظها خارجة عن مقادير عقول المخاطبين، ولذلك لا يؤخذون بما لا يطيقون تصوره (الألفاظ لا تكون خارجة عن مقادير العقول إنما هي المعاني. وإذ كان الوحي مشتملا على هذه المعاني فكيف يزعم أنها موكولة إلى غير الوحي. هذا، ثم ذكر بعض ما يصعب تصوره على الجمهور حتى قال) فطرق البراهين الحقيقية منشؤها من عند الفلاسفة الذين مقدمهم هذان الحكيمان أعني أفلاطون وأرسطوطاليس. وأما طريق البراهين المقنعة المستقيمة العجيبة النفع فمنشؤها من عند أصحاب الشرائع الذين عوضوا بالإبداع الوحي والإلهامات"
فهذا قول من قد آمن بالوحي، فزعم أنه إنما جاء بالإقناعيات وأن البراهين الحقيقية إنما هي مع الفلاسفة، ثم تبعه المتأخرون. ولم يكن ذلك إلا لعدم تدبرهم كتاب الله الحكيم. وستطلع علي قصارى سعيهم في أمر الإبداع ومسائل التوحيد، وماهم عليه من الزيغ والأباطيل. فإنما المقصود ههنا ليس إلا ذكر أنهم لم يعرفوا قدر ما أنزل الله من البينة والبرهان، فوجب كشف هذه الغمة عن أبصارهم.
والخامس : أنه لما كانت الغفلة عما هو فوق هذه الحياة الدنيا غالبة على أكثر العقول لشدة انهماكهم في مشاغل هذه المحسوسة الحاضرة وعلومها كما قال تعالى : وَكَأَيِّن مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (سورة يوسف/105).فمع أن دلائل القرآن قريب من الفطر بل منبهة على الفكر وأصول النظر تراهم لا يتفكرون، ولذلك قد أكثر القرآن من الحث على التدبر والتفكر مثلاً قوله تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (سورة محمد/24 ).وهذا كثير جداً.
والغفلة هي عدم النظر فهي سبب عدمي ولكنها إنما نشأت من الانهماك في الظاهر الحاضر، وهذا عطل قوى العقل وأغلق غرف الإدراك لما هو المشهود في الانفس والآفاق من مظاهر الجلال والجمال والحكمة والرحمة. فصاروا لا يرون إلا الظاهر المحسوس كالبهائم كما قال تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (سورة الأعراف/179). وقال تعالى في هولاء : يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَن الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (سورة الروم/7).وقال تعالى : فَأَعْرِضْ عَن مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ (سورة النجم/29-30).وهذا كثير جداً.
والعلوم التي اشتغل الناس بها من الطبيعيات والرياضيات والإلهيات وغيرها كلها متوجهة إلى أغراض سافلة سواء كانت مادية أو مجردة عن المادة. فهي من المشاغل الدنياوية الصارفة عن النظر إلى الحق وآياته ولبسط ذلك في موضع آخر.
والسادس : إنه غلب على أكثر الناس الظن بأن القرآن إنما خوطب به الأميون البسطاء فلا يكون موضعاً للتدبر وإمعان النظر. وقد أخطأوا في ذلك من وجهين :
الأول : إنهم لم يعلموا أن العرب كانوا في أعلى درجة الذكاء لا سيما في بلاغة الكلام وإيجاز الخطاب بل قد بني لسانهم على ذلك. ولذلك كانوا مولعين بجوامع الكلم والخطاب المحكم، وكانت أسماعهم تمج الهذر والبسيط وكانوا يظنون أنه لا يخاطب به إلا الأغبياء. فأنزل الله تعالى القرآن على أسلوب كلامهم كما أنزل على أفصح لسانهم. والقول البليغ الجامع الموجز لا يطلع على تمام معانيه من غير تدبر، فجهلهم بحال العرب وأسلوب كلامهم صرفهم عن التدبر في القرآن.
والثاني : إنهم لم يعلموا أن من أعظم غاية القرآن تربية العقول وتعليم الحكمة كما صرح به في مواضع كثيرة، فلذلك خاصة أكثر من لطائف الأدلة ليتعلموا التفكر والاستنباط. ولذلك كثيراً ما يكتفي بالتنبيه على الدلائل والحث على استنباطها، بل قد ينبه على الأصول الفطرية التي يبنى عليها الاستدلال كما هو مبسوط في موضعه. فلما كان القرآن على هذه الصفة من الغور واللطافة خفي كثير من دلائله على من يتوهمه خطابا عاميا. ولذلك احتجنا إلى بسط الأدلة بذكر ما انطوت عليه من المقدمات المقدرة التي إنما يطلع عليها الأذكياء الممارسون بالخطابات البليغة المحكمة.
والسابع : إنه غلب على أكثر الناس الظن بأن القرآن كثير الاقتضاب والانتقال من معنى إلى معني من غير مناسبة بينهما. وقد وقع في هذه المغلطـة بعض الأذكياء مثل ابن حزم الظــاهري وصاحب "الفوز الكبير". دع عنك ما تفوه به بعض الظانين بأنفسهم أنهم يصلحون فقالوا إن الاقتضاب في القرآن هو أكبر دليل على أنه كلام الله تعالى، فإنه لو كان كلام الإنسان لكان فيه نظم وترتيب، والفطرة لا يرى فيها ترتيب. ألا ترى نجوم السماء وأشجار البرية وأنهار الأرض وسواحل البحر كل ذلك خلوا عن ترتيب ونظام، وهؤلاء أجهل الناس بمفهوم النظام الحقيقي. فهذا الظن الباطل صار سدا شديدا دون التدبر في نظم القرآن عموما فخفي عليهم طرف عظيم من مطالبه المهمة وبلاغته العجيبة فضلا عن دلائله اللطيفة ولذلك تراهم كثيراً قد أخطأوا موارد الاستدلال، فأولوه إلى غير الدعوى فلم يتبين لهم ما فيه من القوة والتقريب بل ربما خفي عليهم نفس الاستدلال كما بيناه في مواضعه. فرأينا الحاجة شديدة إلى الكشف عن نظمها ليتضح التقريب بين الدليل والدعوى وصحة الاستدلال وقوته، فهذه جملة الكلام في بيان الحاجة والداعية لموضوع هذا الكتاب.