بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد :
بمناسبة قرب حلول شهر رمضان الكريم رزقنا الله وإياكم إدراكه وأعاننا على صيامه وقيامه .
أحببت أن أشارك بنقل فتوى هيئة كبار العلماء حول الإفطار في رمضان وكذلك كيفية ضبط الصلوات في الدول التي يطول فيها النهار في الصيف ويقصر في الشتاء وهي كالآتي .
القرار رقم ( 61 ) وتاريخ 12 / 4 / 1398هـ
الحمدلله ، والصلاة والسلام على رسوله ، وآله وصحبه وبعد :
فقد عرض على مجلس هيئة مجلس كبار العلماء في الدورة الثانية عشر المنعقدة في الرياض في الايام الاولى من شهر ربيع الآخر عام 1398هـ كتاب معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة رقم (555) وتاريخ 16 / 1 / 1398 هـ المتضمن ما جاء في خطاب رئيس رابطة الجمعيات الإسلامية في مدينة ( مالمو ) بالسويد الذي يفيد فيه بان الدول الإسكندنافية يطول فيها النهار في الصيف ، ويقصر في الشتاء ؛ نظراً لوضعها الجغرافي ، كما أن المناطق الشمالية منها لتتغير عنها الشمس إطلاقاً في الصيف ، وعكسه في الشتاء ، ويسأل المسلمون فيها عن كيفية الإفطار والإمساك في رمضان ، وكذلك كيفية ضبط أوقات الصلوات في هذه البلدان .
ويرجو معاليه إصدار فتوى في ذلك ؛ ليزودهم بها ( اهـ ) .
وعرض على المجلس أيضاً ما أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، ونقول أخرى عن الفقهاء في الموضوع ، وبعد الإطلاع والدراسة والمناقشة قرر المجلس ما يلي :
أولاً : من كان يقيم في بلاد يتمايز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس إلا أن نهارها يطول جداً في الصيف ويقصر في الشتاء وجب عليه أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها المعروفة شرعاً ؛ لعموم قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ الشَّمِسِ إلَىٰ غَسَقِ الّيلٍ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُداً ) وقوله تعالى (إنَّ الصَّلَوٰٓةَ كَانَتْ عَلىَ الْمُؤْمِنِينَ كِتَٰباً مَّوْقُتاً )
ولما ثبت عن برودة ، عن النبي أن رجلاً سأَله عن وقت الصلاة ، فقال له :( صل معنا هذين ) يعني : اليومين ، فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن ، ثم أمره فأقام الظهر ، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس ، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر ، فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأبرد بها ، فأنعم أن يبرد بها ، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان ، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق ، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال :( أين السائل عن وقت الصلاة ؟) فقال الرجل : أنا يارسول الله قال :( وقت صلاتكم بين ما رأيتم ) رواه البخاري ومسلم .
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله قال :( وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كدوله مالم يحضر العصر ، ووقت العصر مالم تصفر الشمس ، ووقت صلاة المغرب مالم يغيب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر مالم تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ) أخرجت مسلم في صحيحه .
إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً ومالم تفرق بين طول النهار وقصره وطول الليل وقصره مادامت أوقات الصلوات متمايزة بالعملات التي بينها رسول الله .
هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم ، وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان ، فعلى المكلفين أن ومسكنا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الى غروب الشمس في بلادهم ، مادام النهار يتمايز في بلادهم من الليل ، وكان مجموع زمانهما أربعاً وعشرين ساعة ، ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليفهم فقط ، وإن كان قصيراً ، فإن شريعة الاسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى :( وَكُلُواْ وَاْشْرَبُواٍ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِمِنَ الْفَجٍرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الِصّيَامَ إِلىَ الَّيْلِ ) .
ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي الى إهلاكه أو مرضه مرضاً شديداً ، أو يفضي الى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء ، قال تعالى :( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أو عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) وقال تعالى :( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا ) وقال :( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ )
ثانياً : منوكان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس شتاء او في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر ، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً - وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يقدروا لها أوقاتها ويحددوها معتمدين في ذللك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها عن بعض؛ لما ثبت في حديث الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلةفلم يزل النبي يسأل ربه التخفيف حتى قال :( يامحمد ، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ..) الحديث .
ولما ثبت من حديث أنس بن مالك قال : نهينا أن نسأل رسول الله عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع ، فجاء رجل من أهل البادية فقال : يامحمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك قال : ( صدق)إلى أن قال : وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا ، قال : ( صدق) قال فبالذي أرسلك ، آلله أمرك بهذا ، قال :( نعم ..) الحديث
وثبت أن النبي حدَّث أصحابهعن المسيح الدجال فقالوا : ما لبثه في الأرض ؟ قال :( أربعون يوماً ، يوم كسوة ، ويوم كشهر ، ويوم مجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم ) ، فقيل يا رسول الله اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال :( لا تقدروا له ) فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوماً واحداً يكفي فيه خمس صلوات ، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة ، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتباراً بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم .
فيجب على المسلمين في البلاد المسئول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد اليهم يتمايز فيها الليل والنهار وتعرف فيها أوقات الصلوات الخمس وعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة . وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان ، وعليهم أن يقدروا بصياحهم ليحددوا بدء شهر رمضان ونهايته وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في اقرب بلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار ، ويكون مجموعهما أربعاً وعشرين ساعة ؛ لما تقدم من حديث النبي عن المسيح الدجال وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه ، إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة . والله ولي التوفيق . وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم .
هيئة كبار العلماء
عبد الله خياط - عبدالمجيد حسن - محمد بن جبير
عبدالله بن غديان - عبد الله بن قعود - عبدالله بن حميد
محمد الحرمان - إبراهيم محمد آلِ الشيخ
صالح بن غصون - عبدالله بن منيع

رئيس الدورة
عبدالعزيز بن صالح / عبد العزيز بن باز / عبدالرزاق عفيفي
سليمان بن عبيد / راشد بن خنين / صالح بن لحيدان

((. أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية / المجلد الرابع - صفحة 459 ))