واقع البحث العلمي(2):
مرحلة إنجاز البحث:
-تعد عملية جمع المعلومات وتوثيقها من اهم العمليات في إنجاز البحث ،وهذه العملية ليست بالعملية المعقدة لمن يؤمن برصّ النقول دون الربط بينها ،و هي عملية سهلة لمن لا يريد الفصل بين المعلومات الهامشية والرئيسية، و مهارة تحييد المعلومات الهامشية ينبغي أن يتعلمها الباحث منذ ابتداء البحث حتى لا يغرق في كم المعلومات؛ وللفائدة: هذه المهارة إذا تدرب عليها الباحث في بداية البحث تصبح عملية تلقائية يقوم بها دماغه بدون كبير جهد.
-والسؤال هنا متى تصبح عملية جمع المعلومات وتوثيقها أصعب شيء في البحث؟عندما يخلو البحث من النقول،وعندما تصبح كل معلومة قرأها الباحث جزءاً من أفكاره مما يجعلها عرضة للتحليل والتركيب والمعالجة وعندما ترى المعلومة النور تكون قد أصبحت فكرة جديدة ولدت من الفكرة الأصلية،وهكذا يكون الباحث قد جرد أنماط جديدة من المعلومات الداخلة على عقله ،وهنا يصبح الباحث أمام إشكالية حقيقية وهي توثيق المعلومة تبعاً لما كانت عليه ،أو ترك التوثيق وعدها فكرته باعتبار ما آلت إليه،ولعل قائل يقول أنني قمت بتصعيب السهل وتعقيد البسيط ،ويقترح أن يقوم الباحث بكتابة المعلومات الأصلية ثم يكتب ما آلت إليه المعلومات بعد المعالجة ؛والحق ان هذا ممكن جداً في مختبر الكيمياء إذ يمكن تسجيل المواد التي وضعت في أنبوب الاختبار لصناعة المادة الجديدة ،ولكن كيف يمكن هذا في عالم الأفكار؟ ولأزيد الأمر وضوحاً ؛كل من يقرأ موضوعي هذا يمتلكه ولا يستطيع أن يتخلص منه وسوف يختلط بأفكاره الواعية واللا واعية فقراءات الإنسان ومشاهداته تشكل خريطته الإدراكية للعالم وهي التي سيستخدمها في أبحاثه في العلوم الإنسانية.وأنا لا أقترح هنا ترك التوثيق وإنما إلقاء الضوء على هذه الإشكالية الحقيقية(في رأيي) .
-في بعض الأبحاث الغربية المترجمة التي اطلعت عليها وجدت حلاً لهذه الإشكالية ،لا يتم توثيق إلا مانقل بالنص ،ويتم إدراج المراجع والمصادرالتي استفاد منها الباحث في نهاية كل فصل ،وهذا تعاقد ضمني على ان المعلومات التي لم تنقل بالنص أصبحت ملكاً للباحث لأنه أخرجها بنمط جديد وإطار جديد من المراجع والمصادر المذكورة .
-إنجاز البحث على طريقة المنهج الموضوعي المادي هي عملية نقل الواقع نقلاً فوتوغرافياً،و كلما كانت الصورة أدق كانت أكثر موضوعية وعلى هذا فالعقل هو بمثابة الكاميرا وهو غير قادر على الحذف والاختياروالتهميش والتضخيم والتحريف والتشويه ،ومرجعية العقل النهائية على رأي أصحاب هذا المنهج هي الواقع المادي ،و مهمته الرصد فقط،وهذا ليس مقتصراً على الرسائل الجامعية بل يتعداها إلى المناهج التدريسية فمادة مناهج المفسرين هي عملية رصد وجمع وحشد معلومات عن المفسر والتفسير ثم ترتيبها بطريقة وصفية ،ولنا أن نتساءل أين مشكلة البحث وما دور العقل الإنساني في الوصول لسبر أغوار مشكلة البحث وحلها؟
مناقشة البحث وإجازته:
يعد هذا الجزء هو الأكثر تشويقاً في مرحلة البحث العلمي ،فالمؤسسة التعليمية ألزمت الباحث بالمنهج الموضوعي المادي و تتم مناقشة الرسالة تبعاً لهذا المنهج،ولأن الاقتصار على هذا المنهج لا يتناسب مع العلوم الإنسانية عموماً والشرعية خصوصاً فلا يوجد نتيجة حتمية واحدة صحيحة للبحث |إلا فيما يتعلق بالقضايا الشكلية للبحث والقضايا الإملائية والنحوية مما يضع لجنة المناقشة أمام أمرين :
-اختبار عملية حشد المعلومات عند الباحث مثل( ليتك أضفت كذا) ،أو (هناك حشو في الموضع الفلاني )
-الأمر الثاني الذي تقوم به اللجنة هو التخلي عن الموضوعية ومناقشة الباحث استناداً إلى الخريطة الإدراكية لكل مناقش مما قد يجعل اللجنة تختلف أحياناً داخل المناقشة مما يثبت ما قلته سابقاً عن الخلل في الاعتماد على المنهج الموضوعي فقط (وأنا أركز على كلمة فقط لأني هنا لا أعيب المنهج الموضوعي المادي وإنما أعيب دعوى الاقتصار عليه ،فلا يوجد موضوعية كاملة بمنأى عن عقل الباحث وخلفيته المعرفية).
وصل البحث إلى مرحلته الأخيرة والسؤال هنا مالذي يجعل البحث مؤهلاً لأن يجاز؟والجواب هنا ليس عندي فقد حضرت مناقشات لرسائل عدة أجيزت كلها بقطع النظر عن رأي المناقشين فيها فمن عنده من أهل الملتقى معلومات عن هذا الموضوع فليشاركنا بها .
كلمة اخيرة:
من يريد أن يقرأ عن هذا الموضوع بتوسع وبلغة فلسفية جميلة فليرجع لكتاب الدكتور المسيري(رحلتي الفكرية)وبهذا يتجاوز أسلوبي وتبسيطي المفرط للموضوع .