بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله تعالى والصلاة والسلام على نبينا محمد.
أما بعد:

البيان النبوي لكيفية الاستنباط من آيات الكتاب

أرشدنا القرآن الكريم المنزل من حكيم عزيز إلى أن بيان القرآن من وظائف الرسول فقال تعالى :
(( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ))
فتعددت أساليب البيان النبوي ، ومن هذه الأساليب بيانه لكيفية الاسنباط من القرآن الكريم ، ومن ذلك :

1- وجه النبي أنظار العلماء إلى أنه ينبغي الاعتماد على القرآن نفسه في فهم آياته ، بالدرجة الأولى ، ومن ذلك :
قال الإمام مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس وأبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله : ((ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)."أهـ
وفي هذا المثال تعليم وتوضيح لكيفية رد المتشابه للمحكم ، وفق القواعد الشرعية التي أتت بها النصوص الشرعية ؛ فالله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ؛ ولم يكن الصحابة يدرون أن الشرك نوع من أنواع الظلم ؛ أما بعد البيان النبوي فنحن اليوم نستطيع أن نرجع للآية نفسها فنقول أن ما يصلح أن يكون مخلا بالإيمان هو الشرك ؛ لما تقرر عندنا من أن أنواع المعاصي لا تخل بالإيمان ؛ وأنه أمر يطلع عليه الله تعالى وحده ، وإن كان العمل الصالح دليلا عليه كما دلت النصوص الشرعية .

2ـ وقد وجه النبي إلى الاهتمام بالنص العام في القرآن الكريم واعتبره من مصادر الاستنباط من القرآن الكريم.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري بإسناده في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله قال :
الخيل لثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان له حسنات ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له وهي لذلك الرجل أجر ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر ورجل ربطها فخرا ورياء فهي على ذلك وزر وسئل رسول الله عن الحمر قال ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " اهـ
وهذا الاستدلال منه دال على التعلق بالعموم والاستفادة منه فيما يخص الاستنباط كما أشار أهل العلم ، وكما لا يخفى في ذلك إرشاد إلى الأخذ بالظاهر المفهوم فيما يخص الاستنباط وعدم العدول عنه إذا لم يوجد دليل صحيح صريح ، وهذه الآية من الآيات المحكمات لقوله " الجامعة الفاذة " ، لذلك قال الطيبي :
" وبيان ذلك أنها وردت لبيان الاستقصاء في عرض الأعمال والجزاء عليها " اهـ.

هذا والله أعلم وأحكم ، والحمد لله تعالى والصلاة والسلام على نبينا محمد.