الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه
وبعد:
يقول الإمام السخاوي في تعريف (التصحيف) : هو تحويل الكلمة عن الهيئة المتعارفة إلى غيرها " انتهى . " فتح المغيث " (3/72)
فمنذ نحو عام وقعت عيني على روايتين عند ((الطبراني في الكبير)) فوجدت فيها تصحيفا في المتن، فرأيت من واجب النصح عليّ أن أحذّر، إذ هما تصحيفان فاحشان لم أطلع -وما أقلّ ما طالعت- على من نبّه لهما.
فأضعها بين يدي الإخوة مقدماً للصواب في الرواية قبل ذكر التصحيف:
*الصواب:
قال الروياني في مسنده المعروف ب((مسند الروياني)) حديث رقم (270): نا أَحْمَدُ، نا عَمِّي، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ نُعَيْمٍ الرُّعَيْنِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ نَهِيكٍ الْحَجْرِيِّ، عَنْ دُخَيْنٍ الْحَجْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا فَقَالَ: «مَا لَهَا تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا، أَخَذَهَا دَاءُ غَزَّةَ» ، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ فِي يَمِينِي قُرْحَةً، قَالَ: «وَإِنْ»

وقال ابن حجر في فتح الباري : (وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ مِنْ حَدِيثَ عَقَبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا فَقَالَ: (أَخَذَهَا دَاءُ غَزَّةَ) فَقَالَ: إِنَّ بِهَا قُرْحَةً قَالَ: (وَإِنْ) فَمَرَّتْ بِغَزَّةَ فَأَصَابَهَا طَاعُونٌ فَمَاتَتْ وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ).انتهى من (فتح الباري).
وقال الزرقاني في (شرحه على الموطأ) :
(وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَخَذَهَا دَاءُ غَزَّةَ، فَقِيلَ: إِنَّ بِهَا قُرْحَةً، فَقَالَ: وَإِنْ، فَمَرَّتْ بِغَزَّةَ فَأَصَابَهَا الطَّاعُونُ فَمَاتَتْ» ".)

فتصحفّت (أخذها داء غزة) إلى (أجدها داعرة)، (أجدها ذاعرة)
وتصحّفت (وإن. فمرّت بغزّة) إلى (وَإِنْ، مَوْتَ بَقَرَةٍ)
كما نراه في التصحيف أدناه:
ففي (معجم الطبراني الكبير):
( 888- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ الْحَضْرَمِيُّ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الرُّعَيْنِيِّ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ دُخَيْنٍ الْحَجْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا فَقَالَ: «مَا لَهَا تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا أَجِدُهَا دَاعِرَةً؟» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فِي يَمِينِي قُرْحَةً، قَالَ: «وَإِنْ»)
وفي (المعجم الكبير للطبراني) أيضاً :
(897- حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ الْأَزْدِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُثْمَانُ بْنِ رَبِيعَةَ الرُّعَيْنِيُّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ هِنْدٍ الْحَجْرِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا فَقَالَ: «مَا لَهَا تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا؟» قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ فِي يَمِينِي قُرْحَةٌ، قَالَ لَهَا: «وَإِنْ، مَوْتَ بَقَرَةٍ، فَأَخَذَهَا طَاعُونٌ فَقَتَلَهَا»
وفي (تاريخ واسط) :
(حدثنا أسلم، قَالَ: ثنا وَهْبُ بْنُ بَنَّانٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَني الْحَجْرِيُّ عَنْ دُحَيْنٍ الْحَجْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ تَأْكُلُ بِشِمَالِهَا. فقال: «ما لها تأكل بشمالها أجدها ذاعرة» . قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بِيَمِينِي قُرْحَةً. قَالَ: «فَلا إِذَنْ»

أما الحكم على الرواية صحة أو ضعفاً فهذا مبحث آخر، وكذلك حكم الأكل بالشمال-والجمهور على كراهته- فقد تكلم في حكمه بما عساه ينفع صاحب المقال المعنون ب(أريج النسرين في حكم الأكل باليمين).
فمن رأى خللاً، فلا يبخلنّ بنصح، ومن رأى حقاً فليبلّغه، والله الموفّق.