إشكالية : إنّما ركّز القرآن على التوحيد لأنّ أوائل المخاطبين به كانوا مشركين أو حديثي عهد بالكفر وينبغي اليوم أن نتجاوز الدعوة إلى التوحيد لأنّ النّاس مقرّون به !!!!....
ربّما كنّا سنقبل بهذا التفسير لو أنّ النبيّ بعد انتقاله للمدينة توقف عن الحديث عن التوحيد أو قلّل منه لكن عكس ذلك هو الذي حدث
فإنّ" استمرار الحديث عن هذه القضية في السور المدنية, بعد استقرار العقيدة وقيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية, والتزام ذلك المجتمع بتكاليف الإسلام ومقتضياته, وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله... كلّ ذلك له دلالته الواضحة على الأهمية الذاتية لهذه القضية, "[1] "فقضية لا إله إلاّ الله إذن قضية دائمة في حياة البشرية ... لا يدعى إليها الكفار وحدهم لكي يومنوا, ولا المشركون وحدهم ليصححوا اعتقادهم ولكن يدعى إليها المومنون بها كذلك ويذكّرون بها, لكي تظل حية في قلوبهم, راسخة في ضمائرهم, عاملة في واقع حياتهم, لا يفترون عنها, ولا يغفلون عن مقتضياتها. ...."[2]
ثمّ تمعنوا هذه الحقيقة كيف أنّها واضحة جلية في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾[3]
ثمّ إنّ حقيقة التوحيد والدعوة إليه ليست مجرد دعوة إلى دين بالمعنى الذي يفهمه عامة الناس ويفهمه أصحاب هذا الإشكال أنفسهم؛ عقيدة يلتزمها المرء في تصوره أوفي تصوره وشعائره على أحسن تقدير حتّى يقال لا يخاطب بها إلاّ من ينكرها أويجهلها دون سواهما....
لا !!! إنّ الدعوة إلى التوحيد هي دعوة إلى منهج حياة كامل ومتكامل وعام وشامل يبدأ بأدقّ وأقلّ شعور المحبة والبغض إلى أعظم ما يشتغل به الإنسان ويهتم به كنظام الحكم والتشريع مثلاً....
والتوحيد بهذا المعنى يهمّ المؤمن أكثر منه الكافر والمشرك... لأنّ حياة المؤمن هي القائمة على التوحيد في كلّ جوانبها فهو يحتاج دائما إلى ما يضبط به واقعه ويتعامل به مع ما يستجدّ فيه وفقا لهذا المنهج المتكامل ....
ثمّ إنّ التوحيد الذي يجب في حقّ الكافر ليدخل الإسلام هو مجرد النطق والاعتقاد أما المؤمن فهو مطالب بأعظم من ذلك وأكبر مطالب بالاعتقاد والقول والعمل بالتوحيد.....
ولكي تتجلى هذه الحقيقة أكثر فأكثر بحيث لا يبقى للإشكالية المطروحة معنىً ولا يبقى لوجودها سبباَ نذكر ها هنا حقيقة بسيطة ومهمّة في آنٍ واحد , إنّ الرسل لم يُرسلوا لمجرد التصديق بهم حتّى يقال لا حاجة اليوم للدعوة إلى التوحيد فإنّ الناس مصدقين ومقرين به , لا إنّما بُعثوا لامتثال منهجهم وطاعة أوامرهم وإنّ ما جاءوا به جمع بين الإخبار وبين الأوامر والنواهي على حدٍّ سواء بل حتى أخبارهم كانت تقتضي التطبيق والعمل كما سيأتي فيما بعد
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ............ الآية ﴾[4]
وهذه الإشكالية وجميع ما قيل فيها إنّما تطرح على أساس أنّ النّاس اليوم موحدون ملتزمون بلا إله إلاّ الله ولا حاجة لدعوتهم إليها وهذا خطأ من جهة فهم التوحيد وخطأ كذلك من جهة معرفة الواقع البعيد كلّ البعد عن لا إله إلاّ الله .......



[1]مفاهيم ينبغي أن تصحح محمد قطب دار الشروق ط السادسة 1991ش , 1411هـ ص17

[2]المصدر السابق ص18, 19

[3]النساء 136

[4]النساء 64