السؤال: إذا بدأ طالب العلم طلبه للعلم فإنه يجد العزيمة والهمة في ذلك، ولكن بعد فترة تصيبه الفترة والخمول؟ فهل يؤثر ذلك في إخلاصه؟ وما هو سبب ذلك الخمول؟



الجواب: هذا الفتور ابتلاءٌ وامتحان من الله ، فإذا ابتدأ طالب العلم في طلبه للعلم فإن الله يمتحنه ويختبر صبره، فيجد شيئاً من الفتور والضعف، والله من حكمته أنه يجعل للعلم في أوله لذة وحلاوة حتى يتمنى طالب العلم أنه عالم بين العشية والضحى، بسبب ما يجده من حب للعلم، لكن الله لابد وأن يختبر صبرك وإيمانك وصدقك في العزيمة والرغبة فيما عند الله ، فيبتليك بالفتور.


وقد يكون هذا الفتور بسبب الذنوب والمعاصي، نسأل الله السلامة والعافية، فما على طالب العلم إذا وجد مثل هذا إلا أن يتضرع بالدعاء لله أن يعينه ويوفقه ويثبته، فكم من طالب علم ابتلي بمثل هذه الابتلاءات، فصبر وصبره الله حتى جاءته العاقبة الحسنة، فالذي أوصي من وجد الفتور، أوصيه بأمور:


أولاً: الاستغفار، فإن الله تعالى يقول: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46]. فإذا أراد طالب العلم أن يصرف الله عنه الفتور وما يجد في نفسه من الضيق فليكثر من الاستغفار؛ لأنه معذب، والعذاب لا يرفع إلا بالتوبة والرحمة من الله .


أما الأمر الثاني: أن يبحث عن عالمٍ يشحذ همته، فيوصيه ويقرع قلبه بقوارع التنزيل، وبما جاء عن الرسول من الأمور التي تحيي في النفس حب الخير والإقبال عليه، وتشحذ الهمة بطلب العلم أكثر.


ثالثاً: أوصيه بكثرة قراءة سير السلف الصالح، فإنك ما أصبت بضعف أو فتور في طلب العلم فتقرأ سيرة عالم إلا خشع قلبك، وصدقت عزيمتك، وأحببت أن تكون مثله؛ لأن الله جبل قلوب أهل الخير على حب الخير والشوق إليه، فإذا قرأت سيرة العالم العامل تأثرت، فإذا لم تجد كتباً بحثت عن عالم تجلس معه يحدثك عن سير العلماء وما لاقوا من البلاء، فسافروا وتغربوا عن الأوطان والأهل والولدان، ونحن اليوم تأتينا فتن أخرى من الملهيات والمغريات والشواغل، فلكل زمانٍ بلاؤه، فعلى طالب العلم أن يعلم أن هذه الأمور تنصرف بحسن الظن بالله وقراءة مواقف العلماء الصادقين؛ لأنها تسلي وتقوي العزيمة كما قال الله : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] قال العلماء: فيه دليل على أن القصص تثبت القلوب، فإذا أحس طالب العلم أن قلبه يريد أن يضعف ثبته بسير الصالحين وسير العلماء العاملين الأئمة المهديين، فزاده ذلك عزيمةً على الخير، وثباتاً على الخير.


ومما يقوي الهمة: تذكر حسن العاقبة، فإن لأهل العلم وطلاب العلم مراتب ومنازل، فمن كان أكمل صبراً وأكمل وثباتاً كانت عاقبته أعظم. ويقول بعض العلماء: قل أن تجد إماماً يصل إلى درجة عالية في العلم إلا وجدت صفحات صدره على أكمل ما تكون، فإذا جاء البلاء وانصب عليك بقوة، فاعلم أنك صبرت بقوة كان فتح الله عليك بقوة وبكثرة، كما قال تعالى:وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا[السجدة:24] فكل من يصبر يكون إمام هدىً وداعيةً إلى الخير على قدر صبره، ومعنى الآية: أنه إذا كمل الصبر كمل فتح الله على العبد، فبمقدار تعبك ونصبك وجدك واجتهادك وثباتك يكون فتح الله عليك، فاصبر وصابر واحمد الله . وانظر إلى أهل المعاصي وهم يسهرون عن المعاصي ويصبرون عليها حتى يتعلمون الشرور والآفات، فكيف وأنت على طاعة الله ؟! إنك تجد بعض أهل الفساد يتغرب عن أهله ويبتعد عنهم ويعاني من المشقة ما الله به عليم، وهو في مخدرات ومعاصٍ ومنكرات، نسأل الله السلامة والعافية، أما أنت فتخوض غمار رحمة الله ، فعليك أن تعرف قدر النعمة التي أنت فيها.



المشكلة أن كثيراً من طلاب العلم يأتيهم الضعف بأسبابٍ من أنفسهم، وهذه هي البلية، فلو أن كل طالب علم أحس بضيق نظر إلى نفسه وقال: أنا حينما أخرج من بيتي إلى مجلس هذا العالم، أليس الله يكتب لي خطواتي وحركاتي وسكناتي أنفاسي وجهدي؟ فلو حدث نفسه بذلك لهانت عليه الدنيا وما فيها من تعبٍ ونصب، فأي طاعة أو قربة تريد أن يثبتك الله عليها فاستشعر أن الله يسمعك ويراك وأنه يرضى عما تعمل؛ فإذا جلست في مجلس ذكر وأنت تعلم أن الله يرضى عن جلوسك ويحب أن يراك بين العلماء وبين طلاب العلم، وأن الله يحب أن يراك ساهراً في العلم، مذاكراً له منتفعاً به، إذا علمت أن الله يحب منك ذلك كله أحببت العلم وصبرت عليه، ما الذي جعل السلف الصالح رضوان الله عليهم يكتحلون السهر وتتقرح أقدامهم في الأسفار والمشقات والمصاعب، يتغربون عن الأوطان ويرون الموت وهم يخوضون البحار والفيافي والقفار لطلب الحديث؟ إنما فعلوا ذلك كله لأنهم علموا أن هذه المشقات والمتاعب كلها في ميزان الحسنات، إذا شعرت بسآمة وملل فما أتتك إلا من الغفلة؛ لأن من غفل عن أنه يعامل الله، لن يستطيع السير والصبر.


نسأل الله العظيم رب العرش الكريم، ألا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا. ربنا هب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من عاداك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.


السؤال الأول من شريط عدة الداعية
لفضيلة الشيخ حفظه الله
منقول
المصدر ://http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=130608