الحلقة 28

37- الرسول يرمي المشركين بالحصباء

قال ابن اسحاق ثم إن رسول الله أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشا بها ، ثم قال شاهت الوجوه ،ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر من أشرافهم؛ فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله متوشح السيف في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ؛ يخافون عليه كرة العدو ، ورأى رسول الله فيما ذكر لي في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له رسول الله والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلي من استبقاء الرجال .

38- نهى النبي عن قتل البعض وسببه

قال ابن اسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس أن النبي قال لأصحابه يومئذ إني قد عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا [...] ولا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها . قال فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا واخواننا وعشيرتنا ونترك العباس والله لئن لقيته لألحمنه السيف قال ابن هشام ويقال لألجمنه السيف قال فبلغت رسول الله فقال لعمر بن الخطاب يا أبا حفص قال عمر والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله بأبي حفص أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا ، قال ابن إسحاق وإنما نهى رسول الله عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله وهو بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب فلقيه المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار ثم من بني سالم بن عوف فقال المجذر لأبي البختري إن رسول الله قد نهانا عن قتلك ومع أبي البختري زميل له قد حج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد وجنادة رجل من بني ليث واسم أبي البختري العاص قال وزميلي فقال له المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك فقال لا والله إذن لأموتن أنا وهو جميعا لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة فقال ابو البختري حين نازله المجذر وأبي إلا القتال يرتجز لن يسلم ابن حرة زميله حتى يموت أو يرى سبيله . فاقتتلا فقتله المجذر بن زياد وقال المجذر بن زياد في قتله ابا البختري إما جهلت أو نسيت نسبي فأثبت النسبة أني من بلي الطاعنين برماح اليزني والضاربين الكبش حتى ينحني بشر بيتم من أبوه البختري أو بشون بمثلها من بني أنا الذي يقال أصلي من بلى أطعن بالصعدة حتى تنثني وأعبط القرن بغضب مشرفي أرزم للموت كإرزام المري فلا ترى مجذرا يفري فري قال ابن هشام المري عن غير ابن اسحاق والمري الناقة التي يستنزل لبنها على عسر قال ابن اسحاق ثم إن المجذر أتى رسول الله فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقاتله فقتلته قال ابن هشام أبو البختري العاص بن هشام بن الحارث بن أسد .

39- مقتل أمية بن خلف

قال ابن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال ابن إسحاق وحدثينه أيضا عن عبد الله بن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة وكان اسمي عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبدا لرحمن ونحن بمكة فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبواك فأقول نعم فيقول فإني لا اعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به أما انت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف قال فكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه قال فقلت له يا ابا علي أجعل ما شئت قال فأنت عبد الإله قال فقلت نعم قال فكنت إذا مررت به قال فأنت عبد الإله قال فقلت نعم قال فكنت إذا مررت به قال يا عبد الإله فأجيبه فأتحدث معه حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع أبنه علي ابن أمية آخذ بيده ومعي أدراع قد استلبتها فأنا أحملها فلما رآني قال لي يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الإله فقلت نعم هل لك فيّ فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك قال قلت نعم ها الله ذا قال فطرحت الأدراع من يدي واخذت يده ويد ابنه وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في اللبن قال ثم خرجت أمشي بهما قال ابن هشام يريد باللبن أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن قال ابن اسحاق حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد ابن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما يا عبد الإله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت ذاك حمزة بن عبد المطلب قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل قال عبد الرحمن فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على ترك الإسلام فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد فيقول بلال أحد أحد قال فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال قلت أي بلال أبأسيري ؟ قال لا نجوت إن نجا قال قلت أتسمع يابن السوداء ؟ قال لا نجوت إن نجا قال ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال قلت أي بلال أبأسيري ؟ قال لا نجوت إن نجا قال قلت أتسع يا بن السوداء ؟ قال لا نجوت إن نجا قال ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة وأنا أذب عنه قال فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط قال فقلت انج بنفسك ولا نجاء بك فوالله ما اغني عنك شيئا قال فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما قال فكان عبد الرحمن يقول يرحم الله بلالا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري .

30- الملائكة تشهد وقعة بدر

قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله ابن أبي بكر أنه حدّث عن ابن عباس قال حدثني رجل من بني غفار قال أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة فننهب مع من ينهب قال فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت .

قال ابن اسحاق وحدثني عبدالله بن ابي بكر عن بعض بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى .

قال ابن اسحاق وحدثني أبي اسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن بن النجار عن أبي داود المازني وكان شهد بدرا قال إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري .

قال ابن اسحاق وحدثني من لا أتهم عن مقسم مولى عبد الله ابن الحارث عن عبد الله بن عباس قال كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على ظهورهم ويوم حنين عمائم حمرا .

قال ابن هشام وحدثني بعض أهل العلم أن علي بن أبي طالب قال العمائم تيجان العرب وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا وقد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء .

قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر من الأيام وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون .

[دروس من المقاطع السابقة ]

[ لو لم يكن الرسول القائد يتلقى الوحي من السماء ويؤمن إيمانا مشاهدا لا لبس فيه لن يجازف بنفسه وبفئة قليلة من أصحابه ويلاقي جيشا ضخما معدا للقتال يفوقه في العدة والعدد ، إن هذا من مثبتات الإيمان عند المؤمن بأن ما جاء به النبي هو الحق ... إن هذا الجانب من الجوانب التي ينبغي التركيز عليها كثيرا في ميادين التربية المختلفة ،فإن الأمة الإسلامية تعـيش فترة صعبة تحتـاج معـها إلى إيمان كالجبال الرواسي ...]

* السيرة النبوية لابن هشام. بتصرف يسير .