لقد تجدد النقاش حول حكم كتابة الدين في العصر الحديث حيث ذهب عدد من العلماء المعاصرين إلى وجوبه ودعوا إلى إعادة النظر في الموضوع بعد أن استقر القول على أنه مستحب وليس بواجب ومن المعلوم أن القضية اختلف فيها الفقهاء في القديم وذهب أجلة من الأعلام خلاف رأي الجمهور.
ولعل الشيخ محمد عبده أول من أحيا القضية ونهض بتأييد ومناصرة الرأي القائل بالوجوب في العصر الحديث وتبعه تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا والشيخ محمد الطاهر بن عاشور وهو مجدد الفكر المقاصدي في العصر الحديث كما أيّدهم الشيخ سيد قطب والشيخ أحمد مصطفى المراغي والشيخ إبراهيم القطان والدكتور محمد عناية الله سبحاني.
يقول سيد قطب بكل صرامة: فالكتابة أمر مفروض بالنص، غير متروك للاختيار في حالة الدين إلى أجل.
وكان النقاش في الماضي مبنيّا على القواعد الأصولية من دلالة صيغة الأمر ونسخ الحكم والآثار المروية والعمل المنقول.
إلا أن الطرح المعاصر جاء في ثوب جديد من الاستدلال ، وذلك بناء على مقاصد التشريع الإسلامي والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية وفقه المآلات.وقد جاءوا بكلام يكشف عن روائع التشريع الإسلامي.
يرى الشيخ محمد عبده أن وجوب كتابة الدين لا يعارض مع قاعدة التيسير ودفع الحرج كما زعم القائلون بعدم الوجوب بل إن دفع الحرج هو في الوجوب ذاته.
يقول: إن هذا الضيق والحرج في بادئ الرأي هو عين السهولة والسعة واليسر في حقيقة الأمر فإن التعامل الذي لايكتب ولا يستشهد عليه يترتب عليه مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذ ا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعي بعد طول الزمن خلاف الواقع ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان فإذا ارتاب المتعاملان واختلفا ولا شيء يرجع إليه في إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منهما الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول خصمه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسرا ويرميهما بأشد الحرج وربما ارتكبا في ذلك محارم كثيرة.
وفكرة المآلات واضحة جدا في عبارة محمد الطاهر بن عاشور: لأنّ الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى فأوجب عليهم التوثّق في مقامات المشاحنة، لئلاّ يتساهلوا ابتداء ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة.
ويكتفي الشيخ القطان ببيان موجز لمقصد الشريعة حيث يقول في تفسير الآية: يا أيها الذين آمنوا اذا داين بعضكم بعضاً بدين مؤجل الى وقت معلوم فيجب عليكم ان تكتبوه حفظاً للحقوق، وتفاديا للنزاع .
ويضيف الشيخ محمد عبده إلى ذلك مقصدا آخر من مقاصد الشريعة الإسلامية وهو نشر الكتابة ومحو الأمية.
فيقول: ثم إن وراء هذه المصلحة الخاصة في كتابة الدين مصلحة عامة وهي جعل المسلمين أمة كتاب ونظام ، الإسلام بدأ بالعرب وهي أمة أمية وقد امتن عليها بالرسول الذي علمها الكتاب والحكمة ففرض كتابة الدين عليهم هو من وسائل إخراجهم من الأمية .
وقد أضاف الشيخ ابن عاشور حكمة أخرى فقال : ويظهر لي أنّ في الوجوب نفياً للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب حتى لا يَعُد المدينُ ذلك من سوء الظنّ به، فإنّ في القوانين معذرة للمتعاملين.
ويمكن أن يضاف إلى كلام الشيخ أن عقد المداينة وهو أشبه بعقود الإرفاق والإحسان حيث لا تتعلق للدائن منفعة بل يؤدي إلى المخاطرة فإن هذا العقد في غالب الأحوال يجري بين أهل الصلة والقرابة ولذلك يشق على المرء أن يطلب من ذوي قرابته أن يقوم بالتوثيق الخطي كما يضيق بذلك صدر المدين حيث يشعر أن قريبه لا يثق فيه فيطلب منه الوثيقة الخطية والإشهاد عليها.
كما أن الشيخ محمد رشيد رضا يرى أن الكتابة وضبط المعاملات سواء كانت ديونا أو غيرها سلوك حضاري ينبئ عن النضوج المدني، يقول في قوله تعالى (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ) : وفي نفي الجناح إشارة إلى أن كتابة ذلك أولى وهو إرشاد إلى استحباب ضبط الإنسان لماله وإحصائه لما يرد عليه وما يصدر عنه . وذلك من الكمال المدني ومن أسباب ارتقاء أمور الكسب ولم يجعل هذا حتما لأنه مما يشق على غير المرتقين في المدنية ، والترخيص فيه دليل على وجوب كتابة الديون المؤجلة كما هو ظاهر ما تقدم.
ويعد الشيخ المراغي كتابة عمليات المداينة وغيرها قاعدة اقتصادية حيث يقول : وفي هذا دليل على أن الكتابة من الأدلة التي تعتبر عند استيفاء شروطها وعلى أنها واجبة في القليل والكثير، وعلى أنه لا ينبغي التهاون في الحقوق حتى لايضيع شيء منها، وهذا قاعدة من قواعد الاقتصاد في العصر الحديث، فكل المعاملات والمعاوضات لها دفاتر خاصة تذكر فيها مواقيتها، والمحاكم تجعلها أدلة في الإثبات.
وكان الدكتور محمد عناية الله سبحاني بارعا حين ربط قضية كتابة الدين بموضوع تحريم الربا فقال في تفسير آية الدين:
إن هذه الأحكام تكملة للموضوع الذي تناولته الآيات السابقة، فإنها قد حذرت من التعامل بالربا ، والربا نوعان . فنوع منه يكون صريحا مكشوفا وهو الذي يتفق عليه الطرفان باسم الربا ، ويتم هذا التعامل بينهما عن تراض منهما. ونوع آخر يكون خفيا دقيقا قد لاينتبه له الناس ، وهو الذي يتم بدون اتفاق سابق من الطرفين ، ومثاله أن يتداين فريقان بدون كتابة ولا شهود ثم تمضي فترة وبعدها يثور بينهما خلاف في المبلغ الذي اتفقا عليه أو تداينا عليه . فالمقرض مثلا يدّعي على المستقرض فوق المبلغ الذي دفعه إليه وينجح في انتزاع هذا المبلغ من كيسه . فهذا المبلغ الذي يزيد على المبلغ المستحق يكون (ربا ) ولا شك. وقد يكون الأمر على العكس . فالمستقرض يريد أن يرجع إلى المقرض أقل من المبلغ الذي استلمه منه. فالذي يبقى عند المستقرض من حق المقرض يكون ( ربا ) ولا شك . سواء كان هذا التصرف من المقرض أو المستقرض عن قصد أو بدون قصد. والآيات السابقة ماكانت تتناول إلا ذلك النوع الواضح المكشوف من الربا، ولو وقف النص عند هذا الحد لكان المجال واسعا مفتوحا أمام الذي يريد أن يزاول ذلك النوع الثاني من الربا. وأما الذي لايريد ذلك ويحرص أن يكون نزيها ملتزما بحدود الله في معاملاته فهو أيضا لم يكن بمفازة من أن يقع في هذا الوحل بل كان الأغلب أن يقع فيه وهو لا يشعر فجاءت تلك الآيات تسد هذه الثغرة وتضع المعول على رأس الربا حتى تقضي عليه نهائيا وحتى لايقع فيه من يريده أو لا يريده.
ويبين الباحث ناصر الطفلان حكمة اهتمام القرآن الكريم بالتوثيق الخطي أكثر من غيره فيقول: تتميز الكتابة عن الطرق الأخرى في أنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن إعدادها بصورة مسبقة وقبل وقوع النزاع ، وعادة ما يكون ذلك وقت نشوء الدين ، ويتم الإثبات بها بصورة مباشرة كما أن حجيتها ملزمة . وبالإضافة إلى ذلك فتتميز الكتابة بخلوها من الشوائب التي تشوب غيرها من الطرق، كالشهادة فتنتقص من قيمتها كاحتمال فوات فرصة الاستشهاد بالشاهد لوفاته أو غيبته فضلا عن كذب الشاهد وعدم دقته إن كان صادقا بسبب ما يتعرض له من نسيان .
وعلى أية حال فإن الأمر بكتابة الدين سواء حمل على الندب أو على الوجوب فهو ولا شك أمر مؤكد بتأكيدات متكررة متعاقبة قل ما نراه في كثير من الأوامر التي اتفقوا على أنها للإيجاب ، وهو أمر مقرون بمصالح وحكم تنبئ عن عظمة التشريع الإسلامي وعن اهتمام الشارع الحكيم بمصالح عباده.
فلا يصح أن يبقى هذا الأمر مهجورا يشكو من عدم المبالاة والامتثال وأن يكون عكسه هو الظاهر السائد بين المكلفين .وقد كان الشيخ محمد عبده صادقا في تعبيره عن واقع المسلمين وموقفهم تجاه هذا الأمر العظيم عندما كشف بين يدي الأمة هذه الحقيقة الصارخة المرة: هبوا أن هذه الأوامر المؤكدة للندب فهل ينبغي أن يترك المسلمون جملة ماندب إليه كتاب الله بحجة أن فيها حرجا أو بغير ذلك من الحجج حتى صار من تراه من المسلمين يعنى بكتابة ديونه فإنما يفعل ذلك لضعف ثقته بمدينه، لا عملا بهداية دينه.
نسأل الله الهداية والتوفيق .