في أواخر الستينات تطفل المستغربون العرب على الدين الإسلامي واستباحوا بقلمهم القرآن وعلوم الأمة التأصيلية من أصول فقه وعلوم قرآن وغيرها ،ومع تنامي هذه الظاهرة صار من فروض الكفاية على المسلمين الغيورين على علومهم دراسة هذه الظاهرة ،ولا يخفى على احد أن من لوازم دراسة أي ظاهرة دراسة أسباب ظهورها ،فما الذي حدا بالقوميين والعلمانيين والماديين الدهريين العرب إلى تحويل مسارهم والدخول على خط الدين ليعرفوا بالحداثيين أو العلمانيين الجدد؟يمكن تلخيص أسباب ظاهرة الحداثيين العرب بالتالي:
-السبب الأول :
تنامي دور الدين في الدول الغربية وسقوط مقولات كونت، ودركهايم، وفيبر، وماركس في موت الدين في المجتمعات الصناعية، يقول بيتر ل. برجر([1]): "العالم اليوم مع بعض الاستثناءات... ديني بقوة لم تكن له من قبل، وفي بعض الأماكن أكثر مما كان عليه في وقت من الأوقات" واعتقد المفكرون في العالم الغربي أن الوقت قد حان لأن تحمل عقيدة العلمنة إلى مقبرة النظريات المخفقة ،مما حدا بالغرب للقيام بمحاولة يائسة لإنقاذ مشروعه الإلحادي عن طريق تفكيكه وإعادة صياغته مما يكفل الحد من عودة الدين وإعادة تكريس الإلحاد وانبرت التفكيكية التي ابتدعها دريدا لهذه المهمة وهي: تخليص الفكر الغربي من أي أثر للإيمان فيه والسؤال هنا، إذا كان العصر الكنسي ذهب إلى غير رجعة، فما سر الخوف من تنامي الدور الديني في الغرب، وما سر هذا الجهد النقدي المحموم لتفكيك مذاهب الحداثة وإعادة صياغتها بما يكفل لها استمرارها؟ أليست عودة الدين ستساعد الغرب في التخلص من المشاكل الأخلاقية والإجتماعية التي أفرزها مشروعه الفكري الحداثي ؟ الحق أن الدين المسيحي واليهودي لا يحمل في ذاته مقومات بقائه واستمراره، لهذا فإن تنامي دور الدين يعني بلا شك توجه المجتمعات الغربية إلى الإسلام الرسالة الخالدة التي تصلح لكل زمان ومكان، وهذا يعني انتهاء الغرب وذوبانه في العالم الإسلامي. فمعركة الحداثة إذاً بالنسبة للغرب معركة وجود، أما بالنسبة للعالم العربي فمعركة الحداثة أو التنوير هي سطو فكري وتبعية وعمالة للغرب، وإذا كانت الحداثة الغربية تهدف إلى التحرر من قيود الماضي الكنسي، فإن الحداثة العربية أرادت التحرر من قيود التراث الإسلامي تارة بتفكيك أسسه وتارة بتكريس القطيعة معه لتختار أن ترسف تحت أغلال الفكر الغربي، وتعددت الأسماء والوجوه، والعملة واحدةيقول الجابري: إن تقدم الفكر العربي يتوقف على تحقيق قطيعة ابستمولوجية معه. وقوام هذه القطيعة تدشين زمن ثقافي جديد على أسس جديدة، ويملي هذه القطيعة معطيات الثقافة العربية([2]). على سبيل المثال: فإن المرجع الأساسي لأركون في مشروعه نقد العقل الإسلامي هو زميله المستشرق الألماني (جوزيف فان ايس) كما صرح بنفسه([3]).

-السبب الثاني:انحسار الخطاب القومي والليبرالي العربي وانهيار الاتحاد السوفييتي الذي أدى بدوره إلى انحسار الخطاب الماركسي والشيوعي ،وتعد التحولات التي أصابت كتابات العقاد وهيكل ،وطه حسين وأحمد لطفي السيد ،وتحول فكرالدكتورمحمد عمارة والدكتور عبد الوهاب المسيري عن الماركسية،ومحاولة( ساطع الحصري )إيجادمكان للإسلام في نظريته القومية ؛ كل هذا يعني فشل انقطع نظيره للفلسفات المادية، مما ساهم في بلورة حركة النقد الثقافي العربي في تيارات عدة لا يمكن وضع حدود فاصلة بينها مثل تيار النقد الماركسي وتيار نقد الفكر القومي والعلماني وتيار النقد الديني وإعادة التفسير والتأويل. وتبنى مناهج النقد هذه المستغربون من أمثال (الياس مرقص، سمير أمين، مهدي عامل، طيب تيزيني، علي حرب، برهان غليون، أركون والجابري وحسن حنفي وغيرهم...). وأصبح الكلام عن الدين حاضراً في كل الخطابات النقدية السابقة يستوي في هذا الماركسيون والقوميون والليبراليون والعلمانيون الجدد وذلك بعد العزلة والفشل الذريع الذي مني به هؤلاء لافتقارهم للحامل البشري لمذاهبهم فقرروا تغيير موقفهم من الدين في خطاباتهم. يعزو أركون فشل المذاهب الحداثية إلى: "..اختلال التوازن السيسيولوجي بين الكوادر الاجتماعية المتقبلة للحداثة الثقافية وعلمنة المجتمع من جهة وبين الجماهير المتعلقة بالعادات والتقاليد التي عرف الإخوان المسلمين وورثتهم الحاليين كيف يخاطبونها بفاعلية أكبر"([4])، وأصبح من هؤلاء دخلاء على خط التفسير القرآني وادعوا أنهم أصحاب مشاريع إصلاحية دينية([5]).


([1]) وهو أستاذ في جامعة بوسطن ومتخصص بعلم الاجتماع وعلم الكلام، ويحظى رأيه باهتمام كبير في أوساط المثقفين في أمريكا وخارجها.
.

([2]) الجابري، محمد، تكوين العقل العربي، ط9، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006م، ص52.

([3]) أركون، محمد، قضايا في نقد العقل الديني، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1998م، ص47 وما بعدها.

([4]). ينظر كتاب:
-أركون، محمد، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ط2، دار الساقي، لندن، 1992م، ص16 وما بعدها.

([5])وكلمة مشاريع يطلقونها تضخيماً لطروحاتهم المستنسخة عن الغرب.