بسم الله الرحمن الرحيم
دلت النصوص على أنّ إهلاك الظالمين إنّما كان بالعدل والقسط لا بالظّلم والجور ، قال تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ [ المؤمنون : 41 ] ؛ أي بالعدل لا بالظّلم ([1]) ، وقال : وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [ الشّعراء : 208 ، 209 ] ؛ فنزّه نفسه المقدّسة عن الظّلم ؛ لكمال عدله في أخذه وعقابه ؛ فلا يصيب بعذابه إلاّ من عتا وتمرّد وظلم بعد قيام الحجّة الرّساليّة ، قال تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا ([2]) رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [ القصص : 59 ] ؛ يقول القرطبي : (( في هذا بيان لعدله وتقدّسه عن الظّلم ، أخبر تعالى أنّه لا يهلكهم إلاّ إذا استحقّوا الإهلاك بظلمهم ، ولا يهلكهم معكونهم ظالمين إلاّ بعد تأكيد الحجّة ، والإلزام ببعثة الرّسل))([3]) .
ولأهميّة هذا الأصل في الدلالة على حكمة اللَّه وعدله فيما قضاه وقدّره من العقوبات كثر ذكره ، وتنوّعت طرق التّعبير عنه ؛ فتارة يصفهم ويخبر عنهم بما يدلّ على كمال قيام الحجّة عليهم حتَّى لم يبق لهم في الكفر عذرًا ، كقوله تعالى : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [ النّمل : 58 ] ، أي الَّذين قامت عليهم الحجّة بوصول الإنذار إليهم ([4]) ، وقوله : وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا [ الفرقان : 38 ، 39 ] ؛ أي بيّنا لجميعهم طريق الحقّ بالحجج الواضحة حتَّى استبصروا واستيقنوا ، ولم يبق لهم حجّة على الكفر إلاّ الكبر والعناد ([5]) .
وتارة ينصّ على أنّ الظَّلم كان من قبلهم لا من قبله سبحانه ؛ لاتّصافهم بسبب العقوبة بإرادتهم واختيارهم ؛ كقوله تعالى : فَكُلاَّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ([6]) فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ العنكبوت : 40 ] ، وقوله : فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ [ الأنعام : 6 ] ، وقوله : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [ هود : 100 ، 101 ] ، فدلّ جميع ما ذكر على أنّ اللَّه تعالى لكمال عدله لا يظلم مثقال ذرّةٍ ، ولا تصيب قوارعه ووقائعه إلاّ من ظلم بعد قيام الحجّة البالغة . وهذا أصل عظيم مطّرد يتعلّق به كثيرٌ من المهمّات ؛ أحدها :أنّ الإهلاك يرتبط بالظّلم والذّنب ارتباطًا حقيقيًّا ؛ فلا يجوز وجود الإهلاك بدونه ، خلافًا لمن جعله ارتباطًا عاديًّا ؛ يجوز وجود الإهلاك بدونه ، يقول الصَّاوي : (( جرت عادة اللَّه تعالى أنّه لا يؤاخذ عبدًا بغير جرم ؛ تنزّلاً منه تعالى ، وإلا فلو أخذ عباده بغير جرم لا يسمّى ظالمًا ؛ لأنّه تصرّف في ملكه ، والظّلم التصرّف في ملك الغير بغير إذنه ))([7]) . وهذا القول مبنى أصل الأشاعرة في اعتبار الظّلم في حقّ اللَّه تعالى محالاً لذاته ؛ لأنّه المالك على الإطلاق ؛ فلا يتصوّر وقوع الظّلم منه فيما فعل في ملكه وعباده كائنًا ما كان ؛ وما ورد في النّصوص من تنزيه عن الظَّلم فإنّما هو لإظهار كمال النَّزاهة عنه لا لأنّه مقدور عليه ، أو ممكن في حقّه ([8]) !
وهذا أصل غير مسلَّم ؛ لأنّ اللَّه تعالى نزّه نفسه عن ظلم العباد في كثير من النَّصوص ، ولولا أنّه ممكن في حقّه لما كان للمدح بتركه معنى ؛ لأنّ المدح إنّما يكون بترك الممكن المقدور لا بترك الممتنع المحال لذاته ([9]) .
والثّاني : الظّلم المقتضي لحلول المثلات يتضمّن الشّرك والمعصية ؛ فكلاهما سبب مستقلّ للاستئصال ، ولا يشترط اجتماعهما ؛ ولهذا تظاهرت الأخبار بحلول العقوبات بفئام من أمّة محمَّد e بمجرّد الكبائر والقبائح ([10]) ، وأهلك اللّه ثمود بالشرك دون أن يذكر شيئًا ممّا ذكره عن غيرهم ، يقول ابن تَيْمِيَّة : (( لم يكن في الأمم المكذّبة أخفّ ذنبًا وعذابًا منهم ؛ إذ لم يذكر عنهم من الذّنوب ما ذكر عن عاد ومدين وقوم لوطٍ وغيرهم ... فكان في قوم لوط مع الشِّرك إتيان الفواحش الَّتي لم يسبقوا إليها ، وفي عاد مع الشِّرك التجبّر والتكبّر والتوسّع في الدّنيا وشدّة البطش وقولهم : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ فصِّلت : 15 ] ، وفي أصحاب مدين مع الشِّرك الظّلم في الأموال ، وفي قوم فرعون الفساد في الأرض والعلوّ ، وكان عذاب كلّ أمَّةٍ بحسب ذنوبهم وجرائمهم ))([11]) .
وذهب القرطبي ومن وافقه إلى أنّ الشِّرك لا يكون وحده سببًا لإهلاك الأمم حتَّى يقترن به إفساد في الأرض ، أو تظالم بين العباد ؛ لقوله تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [ هود : 117 ] ؛ أي : (( لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتَّى ينضاف إليه الفساد ، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان ، وقوم لوط باللّواط ))([12]) ، أو أنّ المعنى أنّه تعالى : ((لا يهلكهم إذا تناصفوا وإن كانوا مشركين ، وإنّما يهلكهم إذا تظالموا ))([13]) ؛ وبناء على هذا القول قيلت العبارة المشهورة : (( الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظّلم ))([14]) ، و : (( إِنَّ اللَّه ليمهل الدّول على الكفر ولا يمهلها على الظّلم والجور ))([15]) ؛ وبناء عليه أيضًا قال القرطبي : (( المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدّنيا من الشِّرك وإن كان عذاب الشِّرك في الآخرة أصعب ))([16]) . ولكن في أصل الاستدلال بالآية نظر ؛ لأنّ الظَّاهر أنّ قوله : بِظُلْمٍ حال من الفاعل ؛ أي بظلم من اللَّه لأهل القرى ؛ والمعنى : وما كان ربّك ليهلك القرى ظلمًا وجورًا وهم مصلحون في إيمانهم قولاً وعملاً ، وإنّما يهلكهم بالعدل إذا ظلموا أنفسهم بالشِّرك أو المعصية بعد قيام الحجّة ؛ فتكون الآية بيانًا لحكمة اللَّه في إهلاك من تقدّم ذكرهم من أهل القرى ، ووعدًا بالغًا لقرى الإيمان بالحفظ من الاستئصال ما داموا على إيمان واستقامةٍ ؛ وهو وعد يشهد الواقع بصدقه على مدى القرون ، قال ابن كثير : (( لم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قطّ حتَّى يكونوا هم الظّالمين ))([17]) .
والثّالث : الظّلم المقتضي للعقوبة يشمل الرَّاضي والسّاكت غير المنكر ، ولا يختصّ بمن باشر الذّنب ، وقارفه بفعله ، قال تعالى : فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [ هود : 65 ] ، يقول القرطبي : (( إنّما عقرها بعضهم ، وأضيف إلى الكلّ لأنّه كان برضا الباقين))([18]) . وقال تعالى : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ الأعراف : 165 ] ؛ فأهلك الساكتين الكارهين مع الظالمين المعتدين ؛ ولهذا خصّ النّجاة بالمنكرين النّاصحين ؛ يقول ابن عبّاس : (( كانوا أثلاثًا ؛ ثلث نهوا ، وثلث قالوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [ الأعراف : 164 ] ، ، وثلث أصحاب الخطيئة ؛ فما نجا إلاّ الَّذين نهوا ، وهلك سائرهم ))([19]) ، ولهذا قال البغوي : (( هذه أشدّ آيةٍ في ترك النَّهي عن المنكر ))([20]) .
وشمول العقوبة للراضي والسّاكت سنّة مطّردة حتَّى في خير الأمم ، والأدلّة على ذلك كثيرة ، منها : ـ
1 ـ قوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الأنفال : 25 ] ؛ أي اتّقوا فتنة تتعدّى الظّالم فتصيب الصّالح والطّالح ([21]) ، يقول ابن عبّاس : (( أمر اللَّه المؤمنين أن لا يقرّوا المنكر بين ظهرانيهم فيعمّهم اللّه بالعذاب ))([22]) ، قال ابن كثير : (( هذا تفسير حسنٌ جدًّا ... والقول بأنّ هذا التّحذير يعمّ الصَّحابة وغيرهم وإن كان الخطاب معهم هو الصَّحيح ))([23]) ؛ ولهذا قال ابن العربيّ : (( المختار عندي أنَّها فتنة المناكير ([24]) بالسّكوت عليها أو التراضي بها ، وكلّ ذلك مهلك ! وهو داء الأمم السّالفة ، قال اللَّه سبحانه : كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [ المائدة : 79 ] ... وتحقيق القول في ذلك أنّ اللَّه ... لايوآخذ أحدًا بذنب أحد ، وإنّما تتعلّق كلّ عقوبةٍ بصاحب الذّنب ، بيد أنّ النّاس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كلّ من رآه أن يغيّره ، فإذا سُكت عنه فكلّهم عاص ؛ هذا بفعله ، وهذا برضاه ، وقد جعل اللَّه في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل ، فانتظم الذنب بالعقوبة ، ولم يتعدّ موضعه ))([25]) . وهذا كلام جيّد ، وهو مختصّ بمن يعتبر الإهلاك في حقّه عقوبة كما هو صريح كلامه ؛ فلا يشكل عليه إهلاك الصَّالحين وغير المكلّفين في العقوبات العامّة ؛ لأنّ إهلاكهم ليس عقوبة ؛ وإنّما هو طهرة للصّالح ، ومجرّد أجل لغير المكلّف ([26]) .
2 ـ روى البخاريّ بسنده عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ـ رضي اللَّه عنهما ـ مرفوعًا : ((مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا ([27]) كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ ؛ فَقَالُوا : لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا ، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ؛ فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا ([28]) جَمِيعًا))([29]) ، يقول القرطبي : (( في هذا الحديث تعذيب العامّة بذنوب الخاصّة ، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر . قال علماؤنا : فالفتنة إذا عملت هلك الكلّ ؛ وذلك عند ظهور المعاصي ، وانتشار المنكر ، وعدم التغيير ، وإذا لم تغيّر وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة ، والهروب منها ، وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا ))([30]) . ووجوب الهجرة في هذه الحال ليس على إطلاقه ، بل هو مقيّد بوجود بلد يعمل فيه بالحقّ في الأغلب ([31]) .
3 ـ وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي بكر t مرفوعًا : ((إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ وَلا يُغَيِّرُوهُ ؛ أَوْشَكَ اللَّهُ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ))([32]) .
والرَّابع : الإهلاك المترتّب على الظّلم عقاب أغلبيٌّ لا كليّ ؛ فهو عقاب للظّالم ، وكفّارة للمؤمن ، ومجرّد أجل لمن لم يكلّف ؛ وذلك لأنّ سنّة اللّه تعالى إذا غلب الشِّرك وكثر الخبث أن يعمّ العذاب الجميع فيهلكون مهلكًا واحدًا ، ويصدرون مصادر شتّى ، قال تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَـيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ([33])[ الرّوم : 44 ] ، وروى الشيخان بسنديهما عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ـ رَضِي اللَّه عنها ـ أنَّها قالت : ((يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ))([34]) ، وروى البخاريّ بسنده عن ابن عمر ـ رضي اللَّه عنهما ـ مرفوعًا : ((إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ))([35]) ، وروى مسلم بسنده عن عائشة ـ رضي اللَّه عنها ـ مرفوعًا : ((إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ ([36]) قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ ([37]) خُسِفَ بِهِمْ . فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ ، وَالْمَجْبُورُ ، وَابْنُ السَّبِيلِ ([38]) ؛ يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى ، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ))([39]) ؛ فدلّ على أنّ العقوبة تعمّ وإن اختلفت النيّة والعمل ؛ متى كانت المعصية غالبة أو ظاهرة لا يجدي معها نصح ولا إنكار ؛ فحينئذ يعمّ الهلاك الطائفة الَّتي كثر فيها الخبث ، ويكون هلاكهم نقمةً للفاسق ، وطهرة للمؤمن ([40]) . وجنح القرطبي ومن وافقه إلى أنّ أهل الطّاعة لا يهلكون بجرائر العصاة ، ورأوا أنّ هذه الأحاديث محمولة على من رضي بالمنكر أو سكت عنه دون من كره أو أنكر حسبما يلزمه ([41]) . وفيما ذهبوا إليه نظر ؛ لأنّ الرَّاضي ، والسّاكت غير الكاره كلاهما عاص مستحقّ للعقوبة فلا يدخلان فيمن ذكر في هذه الأحاديث واستفهم عنه من الصَّالحين ؛ ولأنّ هذا الضّرب من العقوبة يصيب حتَّى من لم يكن منهم ، أو كان منهم ولكنّه غير مكلّف أو لا قصد له في المعصية ؛ كابن السّبيل ، والكاره ، وأسواقهم ، فإنَّهم يهلكون مهلكًا واحدًا ، ويصدرون مصادر متفرّقةٍ على قدر أعمالهم ونيّاتهم فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ([42])[ الشّورى : 7 ] ، إلاّ أنّ من عمّته العقوبة وأصل التَّكليف ساقط عنه بالكليّة ؛ كالمجنون ، والمعتوه ، والصَّغير ، والهرم الَّذي لا يعقل فهؤلاء يمتحنون في عرصات القيامة بأن ترفع لهم نار ، فيقال لهم : ردوها ، فيردها من كان في علم اللَّه سعيدًا لو أدرك العمل ، ويمسك عنها من كان في علم اللّه شقيًّا لو أدرك العمل ([43]) .
وذهب فريق من أهل العلم إلى أنّ اللّه تعالى إذا أراد عذاب أمّةٍ أعقم نساءهم قبل أن يصابوا بخمس عشرة سنة ([44]) ؛ لئلا يصاب من لم يجر عليه القلم منهم ([45]) ، قال قتادة : (( لا يكون فيهم صبيّ وقت العذاب ))([46]) . وهذا القول ليس له أصل ، وعموم حديث عائشة ـ رضي اللَّه عنها ـ يردّه كما نصّ على ذلك الحافظ ابن حجر ([47]) ، وهو مع ذلك خاصّ بالأطفال وحدهم ولا يعمّ من هو في حكمهم ممّن ليس أهلاً للتَّكليف وقت العقوبة ، ولهذا قال القرطبي : (( والصَّحيح أنّه يهلك الولدان كما يهلك الطّير والسِّباع ، ولا يكون ذلك عقوبة للصّبيان والبهائم والطّير ، بل يموتون بآجالهم ))([48]) ؛ أي أنّ العقوبة الَّتي تصيب أمّة أو طائفة بعامّة لا تكون في حقّ غير المكلّفين منهم جزاء وعقوبة ، وإنّما هي مجرّد سبب لنهاية آجالهم ؛ كسائر الحوادث الَّتي تعمّهم مع غيرهم من غرق ، وحرق ، وزلازل ، وأوبئة ، ونحو ذلك ([49]) .


+++++


([1]) انظر : تفسير ابن كثير 4/75 ، روح المعاني للآلوسي 18/34 ، تفسير ابن سعدي 5/349 .

([2]) أي أصلها وعظيمها ؛ وهي المدينة والقرية الَّتي تعتبر قاعدة للإقليم أو المنطقة أو المحافظة ، ويتردّد عليها جميع من حولها من القرى والبوادي ، ويعلمون بما يكون فيها من المهمّات ؛ فكان من حكمة اللّه وعدله وإتمام نعمته ورحمته في إقامة الحجّة البالغة أن بعث رسله في مظانّ الظّهور والانتشار لا في مظان الخفاء والجفاء ؛ كالبوادي والأطراف البعيدة . انظر : تفسير ابن كثير 3/396 ، تفسير ابن سعدي 6/46 .

([3]) تفسير القرطبي 13/302 . وانظر : تفسير ابن سعدي 6/46 .

([4]) انظر : تفسير ابن كثير 3/368 .

([5]) انظر : تفسير ابن كثير 3/319 ، حاشية الصّاوي على الجلالين 3/290 .

([6]) أي بسببه وبما يناسبه من العذاب ، وإضافة الذّنب إليهم دليل على إثبات فاعليّتهم واختيارهم في كسبه . انظر : تفسير ابن كثير 3/413 ، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 434 .

([7]) حاشية الصّاوي على الجلالين 4/190 . وانظر : الأربعين للرازي 2/207 ، شرح الجوهرة للبيجوري ص 98 ، 99 ، 108 .

([8]) انظر : حاشية الصّاوي على الجلالين 2/287 ، روح المعاني للآلوسي 12/163 ، 21/24 .

([9]) انظر : منهاج السنّة النّبويّة لابن تَيْمِيَّة 1/134 ـ 138 .

([10]) انظر : المسند للإمام أحمد 3/483 ، سنن ابن ماجه ح ( 4020 ) ، إغاثة اللَّهفان لابن القيَّم 1/390 ، فتح الباري لابن حجر 8/292 .

([11]) مجموع الفتاوى 16/249 ، 250 .

([12]) تفسير القرطبي 9/114 . وانظر : تفسير البغوي 2/406 ، تفسير البيضاوي بحاشية الخفاجي 5/253 ، فتح القدير للشّوكانيّ 2/534 .

([13]) زاد المسير 4/171 . وانظر : تفسير الطبري 12/140 .

([14]) تفسير البيضاوي بحاشية الخفاجي 5/254 .

([15]) المحرر الوجيز لابن عطيّة 3/215 .

([16]) تفسير القرطبي 9/114 .

([17]) تفسير ابن كثير 2/464 . وانظر : تفسير الطبري 12/140 ، المحرر الوجيز لابن عطيّة 3/214 ، 215 ، زاد المسير لابن الجوزي 4/171 ، روح المعاني للآلوسي 12/163 ، 164 ، تفسير ابن سعدي 3/469 .

([18]) تفسير القرطبي 9/60 .

([19]) تفسير الطبري 9/97 . ويؤثر عن ابن عبّاس أيضًا في شأن الفرقة السّاكتة قولان آخران ؛ أحدهما التوقّف ، والآخر القول بنجاتهم ، وقد مال إلى القول بنجاتهم بعض المفسِّرين ؛ اعتمادًا على أنّ الإهلاك والأخذ خصّ في الآية بالظَّالمين ، أو أنّ هذه الطائفة فعلت ما لزمها من الإنكار ؛ ولم تسكت إلاّ بعد الإياس من توبتهم . انظر : تفسير الطبري 9/92 ـ 99 ، المحرر الوجيز لابن عطيّة 2/468 ، تفسير البغوي 2/208 ، 209 ، تفسير القرطبي 7/307 ، تفسير ابن كثير 2/257 ، تفسير ابن سعدي 3/108 ، 109 . والظَّاهر ـ واللَّه أعلم ـ أنّ العقوبة عمّتهم إما عقوبةً على ترك النَّهي عن المنكر ، وإمَّا لأنّ سنّة اللّه أن تعمّ العقوبة حتَّى السّاكت الكاره ؛ كما تظاهرت بذلك الأحاديث ؛ كحديث : ((إذا أنزل اللّه بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ، ثُمَّ بعثوا على أعمالهم )) ، وحديث : ((أنهلك وفينا الصَّالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث )) ، وحديث : ((إِنَّ أناسًا من أمّتي يؤمون بالبيت ... )) الحديث ؛ فهؤلاء يهلكون مهلكًا واحدًا مع أنّ فيهم المستبصر ، والمجبور ، وابن السّبيل ، ثُمَّ يصدرون مصادر شتّى . وفي هذا دلالة على أنّ شمول العقوبة لا يعني بالضّرورة اتّصالها بعذاب الآخرة ؛ فقد تكون طهرة للمؤمن ، أو عقوبة له على تقصيره ثُمَّ تنقضي بانقضاء وقتها . وفي هذه المسألة والَّتي بعدها مزيد بيان واستدلال لذلك إن شاء اللّه تعالى .

([20]) تفسير البغوي 2/209 .

([21]) انظر : تفسير القرطبي 7/393 ، فتح القدير للشّوكانيّ 2/299 .

([22]) نقلاً عن تفسير ابن كثير 2/299 .

([23]) المرجع السّابق .

([24]) أي من ثلاثة أقوال ذكرها في تأويل الفتنة ؛ أحدها أنَّها المناكير . والثَّاني : أنَّها فتنة الأموال والأولاد . والثَّالث : أنَّها البلاء . وإيراد الخلاف بهذه الصّورة فيه شيء من التجوّز ، وإطلاق الفتنة على سببها ؛ لأنّ المراد بالفتنة في الآية العقوبة العامّة كما هو ظاهر من كلام ابن عبّاس . انظر : حاشية الصّاوي على الجلالين 2/150 .

([25]) أحكام القرآن لابن العربيّ 2/847 ، 848 . وانظر : فتح الباري 5/296 .

([26]) انظر : التذكرة للقرطبي ص 532 ، تفسير ابن كثير 2/300 .

([27]) لم يذكر في هذه الرواية المدهن ؛ أي المحابي السّاكت عن المنكر . وذكر في الشّهادات المدهن دون القائم ، فاكتفى في الموضعين بفرقتين مع أنَّها ثلاث كما ورد في المسند ، ونصّه : ((مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ والراتع فِيهَا وَالْمُدهِنِ فِيهَا )) . وهذا يشمل الفِرق الثلاث الَّتي ذكرت في سورة الأعراف ؛ وهي النّاهي والسّاكت والعاصي . انظر : المسند ح ( 17653 ) ، فتح الباري لابن حجر 5/295 .

([28]) أي أنجوهم ونجّوا أنفسهم كما وقع مفسّرًا عند البخاريّ في كتاب الشّهادات . انظر : صحيح البخاريّ بشرحه فتح الباري 5/295 ، 296 .

([29]) صحيح البخاريّ : كتاب الشركة ، باب هل يقرع في القسمة ح ( 2493 ) ( فتح الباري 5/132 ) .

([30]) تفسير القرطبي 7/392 .

([31]) التذكرة للقرطبي ص 531 .

([32]) مسند الإمام أحمد : مسند العشرة ح ( 6 ) . وانظر : سنن ابن ماجه : كتاب الفتن ، ح ( 3995 ) . انظر : صحيح الجامع الصغير للألباني ح ( 1974 ) 1/398 . والحديث صحيح . وانظر لمزيد من الروايات بمعنى الحديث : تفسير ابن كثير 2/299 ، 300 .

([33]) أي أنّهم دمّروا وأهلكوا لغلبة الشِّرك فيهم ، وقيل غير ذلك . انظر : روح المعاني للآلوسي 21/49 .

([34]) صحيح البخاريّ : كتاب الأنبياء ، باب قصّة يأجوج ومأجوج ، ح ( 3346 ) ( فتح الباري 6/381 ) ، صحيح مسلم : كتاب الفتن ح ( 5128 ) ( شرح النَّووي 18/3 ) .

([35]) صحيح البخاريّ : كتاب الفتن ، باب إذا أنزل اللّه بقوم عذابًا ، ح ( 7108 ) ( فتح الباري 13/60 ) . وانظر : صحيح مسلم : كتاب الجنّة وصفة نعيمها ، باب الأمر بحسن الظنّ باللَّه تعالى عند الموت ح ( 5127 ) ( شرح النَّووي 17/120 ) .

([36]) ورد في بعض الرِّوايات تعيين ما أبهم هنا ؛ وأنّه المهديّ المنتظر ، وأنّ مقصود هذا الجيش قتال المهدي بعد أن يُبايع بين الرّكن والمقام ولكن في سنده ضعف ؛ لجهالة بعض رواته . وقال ابن التين : يحتمل أن يكون هذا الجيش الَّذي يخسف بهم هم الَّذين يهدمون الكعبة . وتعقّب بما ورد في الحديث : ((إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي )) والَّذين يهدمونها من كفّار الحبشة ، وأيضًا فمقتضى كلامه أنّهم يخسف بهم بعد أن يهدموها ويرجعوا ، وظاهر الخبر أنّه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها . انظر : فتح الباري لابن حجر 4/341 ، عون المعبود 11/375 ـ 379 ، سلسلة الأحاديث الصّحيحة 4/435 ، ح ( 1965 ) .

([37]) اسم موضع بين مكّة والمدينة ، ويقال : إنّه ذو الحليفة . انظر : فتح الباري 1/432 ، عون المعبود 11/376 .

([38]) أي المستبين لذلك القاصد له عمدًا ، والكاره ، والمرافق غير الموافق . انظر : شرح صحيح مسلم للنَّووي 18/7 .

([39]) صحيح مسلم : كتاب الفتن ح ( 5134 ) ( شرح النَّووي 18/6 ، 7 ) . وانظر : صحيح البخاريّ : كتاب البيوع ، باب ما ذكر في الأسواق ح ( 2118 ) ( فتح الباري 4/338 ) .

([40]) انظر : التذكرة للقرطبي ص 532 ، فتح الباري لابن حجر 13/60 ، 109 .

([41]) انظر : التذكرة للقرطبي ص 528 ، 529 ، فتح الباري لابن حجر 13/61 .

([42]) انظر : فتح الباري 4/340 ، 13/60 ، 61 ، سلسلة الأحاديث الصّحيحة للألباني 4/557 ، 558 .

([43]) انظر : طريق الهجرتين ص 396 ـ 400 .

([44]) وقيل بسبعين ، وقيل بأربعين . وتؤثر هذه الأقوال عن محمَّد بن كعب ومقاتل والرّبيع وعطية وابن زيد . انظر : تفسير القرطبي 9/41 ، 18/312 .

([45]) انظر : فتح الباري 13/60 .

([46]) نقلاً عن تفسير القرطبي 18/312 [ بتصرّف يسير ] .

([47]) فتح الباري 13/60 .

([48]) تفسير القرطبي 9/41 [ بتصرّف يسير ] .

([49]) انظر : فتح الباري 4/340 ، 13/60 ، روح المعاني للآلوسي 12/62 .