هذه مقالة قديمة للكاتب الكويتي محمد المليفي وقد رأيت أنها تناسب ما نمر به الآن لذا وضعتها وأتمنى أن تعجبكم

سأكتب اليوم بمداد العزة قوله تعالى (وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها)!


توطئة ملؤها العزة بالله..! قال تعالى: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).
☩ قال تعالى: (وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) نعم يفرحوا بها.. هذا هو الوصف الالهي الدقيق الذي يجسد فيه معجزة القرآن الخالدة في صلاحه لكل مكان وزمان! ورغم ان هذه الآية العظيمة قد نزلت على محمد عليه الصلاة وآله وصحبه قبل اكثر من الف واربعمائة سنة الا ان حروفها ومعانيها تتجدد وتتجسد في كل زمان ومكان وتنطبق على اهل الله وخاصته واوليائه.. وعلى اتباع الباطل وأهله..!
ان اتباع الباطل لا يفرحون عندما تحل الهزيمة بالمؤمنين فقط.. ولكنهم يحزنون ويتألمون ويعضون على اناملهم من الغيظ بمجرد ان تكون دائرة النصر والتمكين في صفوف المؤمنين.. نعم هذا هو حال الفريق الآخر.. وهما فريقان لا ثالث لهما البتة (فريق في الجنة وفريق في السعير) وان الله عندما يخاطب فريقه واهله فانه يطلعهم على شيء من الغيب وعلى مستقبلهم في مواجهة الفريق الآخر وهو ان اي هزيمة للمؤمنين سوف يكون في مقابلها عند فريق الدنيا وبياعي الآخرة الزغردة والرقص والفرحة ولسوف ترتفع اصوات المزامير! والعجيب انه عندما يخبر اولياءه وجنده بذلك الفرح المؤقت فانه يقول لهم بعد ذلك: في هذه اللحظات عليكم ان تصبروا.. وان تتقوني اكثر ولا عليكم فلن يضركم من كيدهم ومن اجتماعهم عليكم شيئا.. يا الله كم هي آيات خالدة! قال تعالى: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعلمون محيط).. الله اكبر اقسم بأن هذه الآيات هي البلسم الشافي لكل من اصاب فؤاده جرح.. وظن بالله الظنونا..!
يا الله اقسم لكم بأن هذا القرآن لا يدرك اسراره من هو قاعد جسده وراكن قلبه! ولا يعلم مدلولاته وخباياه الا انسان يؤمن بالله مثلما آمن الرسول وصحابته ومن خلاله تكون مواجهته مع وجه الجاهلية القبيح الذي يتشكل بألف شكل..!
☩ يا الله..! هل يعتقد المؤمنون أنهم اكرم واعلى مقاما عند الله تعالى من نبيه وصحابته الكرام؟!! هل يظن عقلاء المؤمنين ان النبي عليه الصلاة وآله قد اقام دولة الاسلام باليسر والسهل بلا نصب ولا وصب؟! اليس هو الذي هزم في غزوة احد وشج وجهه الكريم وكسرت رباعيته الشريفة؟ اليس هو الذي فرض عليه وعلى صحابته حصار دام سنوات حتى اكلوا أوراق الشجر! اليس هو الذي دفن بيديه اغلى احبابه من اهل بيته وصحابته الاطهار؟ يا الله هل يحق لنا ان نعتقد بعد هذا كله ان دولة الاسلام الحقيقية التي تلاشت معالمها سوف تقام بأقل من هذا؟! لا والله ولكنها السنة الكونية التي فرضها الله على اهله وخاصته واوليائه من قبل ومن بعد..! تعالوا معي لأقرأ لكم كيف ان حبيب الله وخليله ونبيه محمد قد وصل الى مرحلة من المواجهة مع اعداء الله حتى قال: «يا الله.. يا الله متى نصرك»؟!! يقول تعالى وهو يجسد مشهدا تصويريا حيا للحالة التي وصل اليها النبي وصحابته الابرار في قوله تعالى في سورة البقرة: (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) سبحانك يا ذا الملكوت! يا من جعلت جندك يتزلزلون ويكونون على وشك الفناء والموت.. ثم يكون بعدها نصرك القريب الذي تشفى فيه صدور قوم مؤمنين وتغيظ صدور قوم كافرين.
☩ كم هي صورة رهيبة عندما يتخيل ويظن المؤمن المتبع لنهج رسوله والمقتفي لنهج صحابته الكرام بأن الله قد تخلى عنه وتركه جسدا ضعيفا بين انياب اعدائه يتناوشونه ولا يبقون منه سوى ذكراه بين الناس! كم هو اختبار اكثر من صعب يمتحن الله فيه المجاهدين والعصبة المؤمنة والبقية الباقية على وجه هذه الارض.. ولكنها السنة الكونية من جديد يا معاشر القراء.. وأقسم لكم ان معجزة الله الخالدة تجسد معانيها وصورها في كل لحظة من الزمن وفي كل زمان ومكان..! ولعل الذي يستكثره هذا الكلام لم يقرأ أو لعله نسي قوله تعالى وهو يجسد الواقع الجديد في سورة يوسف: (حتى اذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين).
يا الله..! إنها صورة رهيبة، مخيفة، مهولة، وعجيبة ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة جند الله واتباعه. وهم يواجهون الكفر واتباع الباطل.. وهكذا تتأزم حالهم.. وتتأزم.. وتتفتت وتتشرذم.. وتمر الايام وهم يدعون ولا يستجاب لهم الا قليلا، ثم تكرم عليهم الاوقات كالسيف والباطل في قوته وكثرة اهله.. والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة ما زالوا ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم.. فتهجس في خواطرهم.. هم الهواجس.. ويتساءلون في قلوبهم على استحياء (أترانا قد كذبنا)؟؟ يا الله أين نصرك لنا؟؟ ألم نقاتل من اجل اعلاء دينه ودولته؟ لماذا حالنا صار اليوم شذر مذر؟! لماذا اصابنا هذا الريح العاصف؟! الله اكبر يا ناس!! ان الذي يتساءل مثل هذه الاسئلة هم الانبياء؟!! تخيلوا الأنبياء؟؟ ليرد عليهم ربنا ويقول: (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم؟! مستهم البأساء!! والضراء!! وزلزلوا!! حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله)؟! ثم يأتي الجواب الشافي في مقام آخر (جاءهم نصرنا فنجي من تشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين).. يا الله هذا هو حال الانبياء واتباعهم في كل زمان؟!
☩ ولكن لماذا هذه الرجة الكبرى في حق اتباع الله واهله؟! لماذا هذه الهزة العنيفة؟! الاجابة لأن دولة الله ليست رخيصة فتأتي رخيصة وسهلة! ولو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم داعيا بدعوة لا تكلفه شيئا اللهم سوى القليل.. ويتوج نفسه بعدها آية للناس لتقوم بعدها دولة الحق المزعومة.. ولكن حاشا الله ذلك ودعوة الحق التي يريدها الله لا يجوز ان تكون عبثا ولا لعبا فانما هو دينه سبحانه ودولته التي يريدها ان تقوم فيعبد فيها حق عبادته.. وينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء.. والادعياء لا سيما من اهل الضلال والانحراف عن منهج الرسول وصحابته الاطهار لا يتحملون تكاليف الدعوة اليها.. بل هم مخذولون من الله اصلا.. ومن اجل هذا يضع الله اهله وخاصته على محك الشدائد التي لا يصمد لها الا الواثقون الصادقون.. الذين لا يتخلون عن دعوة الله الى آخر رجل فيهم.. فاما النصر او الشهادة.. فان انتصروا فقد عجل الله بقيام دولته.. وان استشهدوا وماتوا فالله كفيل بدينه.. وان المستقبل لهذا الدين كما وعد الله في كتابه.. والرسول يقول في الحديث: «لا يزال من امتي أمة قائمة بأمر الله ما يضرهم من كذبهم ولا من خذلهم او خالفهم حتى يأتي امر الله وهم ظاهرون على الناس».. رواه البخاري ومسلم واحمد والترمذي..
☩ وختاما. اي قرح او اذى يصيب المؤمنين.. فانما هو دليل خير يقول تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين).