ذكر ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص 19 أن مسائل الإيمان والكفر مسائل عظيمة جدا ؛ لأن الله علق بها السعادة والشقاوة ، واستحقاق الجنة والنار ، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة أ . ه
وهذا كلام جيد نافع يتعلق به أمور كثيرة منها :-
1- من أهم مسائل الإيمان تحديد مدلوله الذي نيط به الفلاح وسعادة الدنيا والأخرة ؛ فإذا أفرد كما في قوله تعالى قد أفلح المؤمنون وقوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ... الآيات وقوله : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ) وقوله في حديث عبد القيس ( أتدرون ماالإيمان بالله وحده ؟ ... شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم ) ؛ كان اسما للدين كله ، ظاهره وباطنه ، أصوله وفروعه ، وهو الذي فسره علماء السلف بقولهم الإيمان قول وعمل ، وقد أجمعوا على هذه المقالة اجماعا ظاهرا مستفيضا حتى غدت هذه المسألة معلما من معالم عقيدة السلف ، ومعيارا من معاييرهم حتى في أخذ العلم ؛ قال الإمام البخاري :( كتبت العلم عن ألف نفر من العلماء وزيادة ، لم أكتب إلا عن من قال : الإيمان قول وعمل ، ولم أكتب عن من قال : الإيمان قول ) ، يعني عن مرجئ ؛ فالمرجئة على اختلافهم يجمعهم القول بأن الإيمان قول بلا عمل . شرح أصول اعتقاد أهل السنة لأبي القاسم اللالكائي 5/889 .
أما إذا قرن بغيره ؛ كما في قوله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وقوله الذين آمنوا وكانوا يتقون فإنه حينئذ يكون مختصا بالجانب القولي من الإيمان ؛ وهو الذي فسره النبي في حديث جبريل بقوله ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ) ؛ وذلك لأنه ذكر مقرونا بالإسلام ؛ فصار الإيمان إذن من الألفاظ التي تتنوع دلالاتها باعتبار الإفراد والاقتران ؛ فإذا أفرد كما في حديث عبد القيس صار اسما للدين كله ، وإذا قرن بغيره ، كما في حديث جبريل صار خاصا بالجانب القولي الاعقادي .
2- الخلاف في مسائل الإيمان أول اختلاف عقدي وقع في هذه الأمة ، وكان ذلك على يد الخوارج بعد القبول بالتحكيم في صفين ، فقد استقل الخوارج بمبادئهم عن الأمة ، وفارقوا جماعة المسلمين ، خلافا لما يزعمه من راج عليه كلام الشيعة بأن أول اختلاف كان في مسألة الإمامة ، فقد كان خلافا عارضا استقرت بعده الأمة واجتمعت الكلمة على أبي بكر ، ولم يكن آنذاك فرقة استقلت بمبادئ خاصة في الإمامة عن جماعة المسلمين .
3- يعني السلف بقولهم الإيمان قول وعمل أربعة أمور لاتكون حقيقة الإيمان إلا بها ، وهي :-
ا- قول القلب ؛ وهو تصديقه وإيقانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره .
ب- عمل القلب ؛ وهو محبته وخوفه ورجاؤه ، وعن هذه الأصول تتفرع أعمال القلوب وحقائقه الإيمانية .
ج- قول اللسان ؛ وهي العبادات التي محلها اللسان ، وأعظمها الشهادتان .
د- عمل الجوارح ؛ وهي مباني الإسلام وشرائعه الظاهرة ؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وعلى هذا فتعريف الإيمان الذي سار عليه المتقدمون أكمل مما عليه المتأخرون من حده بقولهم ( تصديق بالجنان ، وقول باللسان ، وعمل بالأركان ) ؛ لأن عمل القلب لايشمله تصديق الجنان .
4- التصديق والمحبة هما أصل الإيمان وقاعدته ؛ فالإيمان قول وعمل ، والقول أصله التصديق ، والعمل أصله الحب ؛ ولهذا لايجوز أن تتعلق المحبة بغير الله تعالى ، قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ؛ أي لانتهوا عما هم فيه من شرك المحبة ؛ وهذه المحبة هي حقيقة الألوهية ؛ فإن الإله هو المحبوب بمحبة الـتأله ، وهي أعلى درجات المحبة ، التي تستلزم كمال الطاعة والاتباع والإيثار ، فهذه المحبة لاتكون إلا لله وحده ، وأما المحبة المشتركة بأنواعها ، كالمحبة الجبلية ، ومحبة الأنس والألفة ، ومحبة الشفقة والرحمة ، فهذه تكون بين الخلق ولاتعارض محبة الخالق إلا إذا قدمت عليها ، قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين !! وهذا بحر لاساحل له إلا أن مما يؤلم أن كثيرا من الشعراء يصل به حبه وتعلقه إلى درجة تضاهي محبة الله تعالى ، يقول أحدهم :-
وحبُّك مالكٌ لَحظي ولفــــــظي ... وإظــــــــــــــــــــــ ـــــــهاري وإضماري وحِسِّي
فإن أنطق ففيك جميع نطقي ... وإن أسكت ففيــــك حديث نفسي