السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قبل طرح الإشكال أود أن أقدم بهذه المقدمة
لا شك أن المشهور لدى العلماء وطلبة العلم أن العلماء مختلفين في علة القتل
فالجمهور من الأحناف والمالكية والحنابلة يرون أن العلة هي الحرابة أو إطاقة القتال .
أما الشافعي وابن المنذر وابن حزم فيرون أن العلة الكفر .
وبذلك يقتل كل كافر إلا ما دل الدليل على عدم قتله كالرسل , والصبيان , والنساء ..الخ
وهذه الخلاف ليس المقصود منه علة أصل تشريع الجهاد فهذه مسألة ثانيه لم يختلف فيها العلماء , وجميعهم متفقين على أن علة أصل تشريع الجهاد هي : قتال الكفار لإخضاعهم لحكم الإسلام . فلو خضع الكافر لحكم الإسلام بدفع الجزية لايقتل وإن كان كافرا .
إلا أني وجدت من سحب الخلاف الأول وجعله في المسألة الثانيه .وذلك أنه لا يتم أي جهاد ولاقتال إلا أذا تحققت حرابة من الكفار .
والمقصود بالحرابة عندهم : اعتدائهم على بلاد المسلمين , أو فتنتهم عن دينهم ,أو عدم تمكين الدعاة منهم .
وبذلك تكون النتيجة = الجهاد شرع من أجل الدفاع فحسب .حيث بدأت من العلة وانتهت بإلغاء قسم من أقسام الجهاد .
**
بعد هذه المقدمة أود أن طرح لكم كلاماً للأستاذ . عبد الرحمن حللي
في كتابه ( حرية الاعتقاد في القرآن الكريم ) أشكل عليّ كيفية مناقشته , على حسب ما قررته سابقا
*
قال تعالى: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:1 ، 15] .
فيذكر الأستاذ . عبد الرحمن حللي أن هذه الآيات تتضمن أن علة قتال المشركين هو الكفر , كما هو وارد عن طائفة من الناس . لكن القراءة الصحيحة لها لا تدل على ذلك , والسبب هو : أن الحديث الوارد فيها يدور حول طائفة خاصة من المشركين , كانت بينهم وبين الرسول - -عهد فنكثوا هذا العهد , وظاهروا المؤمنين .
أما آية السيف الواردة فيها فهي لا تدل على أن العلة في القتال هو الكفر , لعدة أسباب :
1- الاستثناء الوارد الذي خص طائفة من المشركين , كما في قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) .
2- الأمر بإجارة المشرك إذا طلب ذلك كما في قوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) . فلو كان الكفر هو علة القتال , لما جاز إجارة الكافر وتبليغه مأمنه .
3- كذلك الاستثناء الوارد في قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) . فهي تؤكد على العهد وتأمر بالاستقامة فيه , فلو كان الكفر علة لما ساغ الأمر بالعهد .
4- كذلك قوله تعالى : (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ) , وقوله : (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) , وقوله (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ) , وقوله (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ ) , وقوله (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) , فهذه الآيات كلها لا تدل – عنده – على أن علة قتال الكفار هي الكفر , إذ لو كانت كذلك (( فما مكان هذه القرائن التي ذكرتها الآيات والتي تجعل القتال لأسباب غير الكفر )) .
( حرية الاعتقاد في القرآن الكريم , 144 )
ثم يختم الحديث عن "" علة القتال "" الواردة في أوائل سورة التوبة , بما أشكل من هاتين الآيتين ( .. فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) ), وقوله (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) , حيث جعلت الآيتان التوبة , وإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة , سبباً في تخلية سبيل المشركين .
لكن بعد معرفة القرائن السابقة , يتبين أنّ هاتين الآيتين ليستا مورد تعليل , إنما تتحدثان عن حالة من حالات انتهاء الحرب , ولو كان القتال لأجل إسلام الكفار لناقض ذلك ما ذكرته الآيات من إشارات إلى أسباب القتال . فالآيات تدل على أن الكفر ليس علة في القتال , وإنما للقتال أسباب كالاعتداء , والظلم , والخيانة , ونكث العهد .
( حرية الاعتقاد في القرآن الكريم , 144 )

أقول
وكلامه الأخير ( الذي في اللون الأزرق ) يحدد قصده بعلة القتال أي أصل تشريعه , ولا يقصد الخلاف الذي أختلف فيه الجمهور .. وبذلك تكون الحرب من أجل الدفاع ومن نكث عهده .. الخ
ويخرج بذلك الجهاد من أجل إخضاع دول الكفر لحكم الإسلام .
وأما ما جاء في قوله تعالى : قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) [التوبة: 29]
فالآية في رأي الأستاذ . عبد الرحمن حللي , لا تدل على أن الكفر هو العلة في القتال , إذ لو كان كذلك لأصبح (( الإسلام هو الغاية التي ينتهي عندها القتال , لكن الآية جعلت الجزية هي الغاية )) .
السؤال بارك الله فيكم
كيف أرد على مثل هذا الكلام , وما هي الأسس التي أنطلق منها , وما هي المسالك التي أتقيد بها ؟