قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عياش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال: " سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن [1] وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هنية, ثم قال: " يقرؤهن وهو يعقلهن ". [2]
في هذا الأثر من الفوائد:
1) حرص السلف على امتثال الأوامر النبوية و إشفاقهم من التفريط في شيء جاء فيه الوعيد أو التهديد أو النهي. فإن الرسول صلى الله عليه و سلم لما أنزلت عليه أواخر آل عمران بكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض, ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قال: يا رسول الله، ما يبكيك؟ وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر، فقال: "ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب " ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" [3]
2) فضل الأوزاعي, حيث كان مرجعاً في فهم الآحاديث مع إمامته في الإقراء
3) الإشارة إلى أن التفكر و التدبر درجات و مراتب: فأدنى مرتبة التفكر هو التلاوة المصحوبة بفهم المعنى, و ما زاد على ذلك من الفوائد و الاستنباطات و اللطائف فهو فضيلة ظاهرة أَتَت بعد فهم المعنى الأصلي للآية
4) السلف عندهم اهتمام بفهم معاني الآيات و يمكن أن يقال: هو من الأوليات عندهم. و انعكس الأمر في هذه الأزمنة حيث أصبح جُلُّ حرص الطلاب على جمع الاستنباطات و اللطائف رغم أن بعضهم لو قرئت عليه الآية من الآيات لا يدري ما معناها أو لا يفهمها على وجهها الصحيح. و سبب ذلك ما قاله صاحب الفضيلة معالي الشيخ صالح آل الشيخ: "ولكن قلَّت العناية في هذا الزمن بالتفسير؛ لأن كثيرين يظنون أنّهم يعلمون كلام الله " [4] .
هذا ما تيسر لي مما خطر ببالي لما قرأت هذا الأثر, و الله تعالى أعلم.

[1] يعني قوله تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ"... إلخ أواخر آل عمران. و يريد عبد الرحمن بن سليمان قوله صلى الله عليه و سلم في الحديث عن هذه الآيات: "وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا".

[2] الأثر عند ابن أبي الدنيا في كتاب "التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ" على ما نقل عنه ابن كثير في تفسيره, و لم أجد هذا الكتاب, و إسناده جيد.

[3] انظر "السلسلة الصحيحة" (رقم 68)

[4] شريط " مقاصد السّور وأثر ذلك في التفسير"