اعتنى المغاربة بالقرآن الكريم، حفظاً وتعلّما وتعليماً، وفهماً وتدبراً، فحفظوه في الصدور وكتبوه في السطور، فعكف العلماء على تفسيره وسبر أغواره. واستمرت هذه العناية جيلاً بعد جيل خلفاً عن سلف، حيث يقتفي اللاحق منهم أثر السابق. وكان العلامة محمد الطيب بن عبد المجيد بن كيران(ت1227هـ)، أحد أساطين هذا العلم، ومن الذين وهبوا حياتهم للقرآن والتفسير، فكان رحمه الله يعقد حلقات علمية خاصة بتفسير كتاب الله العزيز. فلقد جاء تفسيره على نمط فحول العلماء الآخذين بناصية العلوم، الباحثين في دقائق المعاني، مع إفادات وإشارات تربوية لا تقل أهمية عن تلك التي نجدها عند المتقدمين. ولا غرابة في ذلك فهو معدود ضمن كبار رجالات الإصلاح بالمغرب، الذين نبذوا الجمود والتقليد، ونادوا بالاجتهاد والعمل.
واعتباراً لقيمة أعمال العلامة ابن كيران في علم التفسير، وبخاصة التفسير الجزئي لآيات القرآنية؛ يعتز مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء بنشر هذا المجموع المسمى: «أجوبة وتقاييد في تفسير الكتاب العزيز» ضمن سلسة نوادر التفسير(1).
ويتكون هذا المؤلف، من أحد عشر تقييدا في التفسير، بعضها في تفسير سورة بعينها، وبعضها في تفسير آية بعينها، وأحيانا في شكل رد على مفسر ما في آية ما؛ وهذه التقاييد كالآتي: التقييد الأول: متعلق الجار والمجرور في البسملة، والتقييد الثاني: تفسير سورة الفاتحة، والتقييد الثالث: تفسير قوله تعالى: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة 121]، والتقييد الرابع: في تفسير قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة 259]، والتقييد الخامس: في تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) [النساء 156]، والتقييد السادس: في تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [النحل 98]، والتقييد السابع: في تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) [الزخرف60]، والتقييد الثامن: في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) [المؤمنون 4]، والتقييد التاسع: في تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر 28]، والتقييد العاشر: في تفسير كلام السلطان المولى سليمان في مناقشته للإمام الزمخشري في عدوله عن الحقيقة إلى المجاز في تفسير قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب 75]، والتقييد الحادي عشر: في مناقشة الوجه الذي أبداه الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب 75].
وممّا يجلي قيمة هذه التقاييد، اختيارات صاحبها في المسائل التي يناقشها، تحمل نَفَسه الإصلاحي التربوي؛ وغنى المصادر العلمية التي استقى منها مادته التفسيرية، وتنوعها ما بين تفسير، وقراءات قرآنية، وبلاغة، ولغة، وعلم كلام، وتصوف، وعلم حديث، وفقه، وغيرها.



المصدر :موقع مركز الدراسات القرآنية