العبرة من ظهور الفساد


قال الله تعالى : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( سورة الروم . آيه رقم : 41)


*هذه الآية الكريمة تحكي سنة خالدة من سنن الله تعالى : وهي أن الفساد الذي يقع في كل مكان من الأرض يكون سببه معاصي بني آدم ، ثم ينتج عنه ما ينتج من المفاسد والمهالك المدمرة للحرث والنسل والتي يصطلي بنارها أهل الفساد أنفسهم ، وغيرهم من الناس الذين لم يباشروه مباشرة ظاهرة ، ثم بعد ذلك يقدر الله التوبة على من تاب ويكرمه بمقاومته والتصدي له ، ويضل من بقي على غيه وفساده ويجعله يستمرؤه ويرضى به . فهذه الآية الكريمة سيقت بيان لواقع الأمم السابقة وتحذيرا ودرسا للأمم اللاحقة

والفساد المراد بهذه الآية عام لا يقتصر على نوع بعينه ويجوز أن يكون المراد بالفساد: الشرك كما قاله قتادة والسدّي فتكون هذه الآية متصلة بالآية التي قبلها الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يوميتكم ثم يحييكم

وقد يكومن الفساد فيها بارتفاع البركات، ونزول رزايا، وحدوث فتن، وتقلب عدو كافر، كما قال الحسن البصري وقد يكون الفساد بالقتل وسفك الدماء أو بالظلم وانتشاره بين الناس وتسلط الحكام الظلمة ، وقد يكون بمنع القطر من السماء فينتج عنه منع الزرع وهلاك الأموال وقد يكون الظلم سببا لمنع القطر من السماء


قال مجاهد بن جبر: إذا ولي الظالم أساء بالظلم والفساد فيحبس بذلك القطر ويهلك الحرث والنسل . ُثم قرأ قوله : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . قال مجاهد: في البر ، بقتل أحد بني آدم لأخيه، وفي البحر: بأخذ السفن غصباً، وأما البحر:فالمراد به السواحل والجزر التي على ضفة البحر والأنهار.( والعرب تسمي المدائن بجوار البحر لكون مبنى عمارتها على الماء ) وقوله :بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. الباء للسببية و ما يحتمل أن تكون مصدريه أو موصولة . والمراد باليد هنا (صاحب اليد ) وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية لأن المعاصي تكون باليد وغيرها من الجوارح وعلى هذا فالمعاصي الموجبة للفساد الظاهر من كسبهم وهو ما اقترفت أيديهم فجازاهم ببعض ما عملوا من الفساد ( وهو تعجيل للعقوبة في الدنيا لعلهم يرجعون عن أعمالهم التي أثرت من الفساد ما أثرت فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم فسبحان من أنعم ببلائه وتفضل بعقوبته وإلا لو أذاقهم جميع ما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) ( تفسير ابن سعدي ص: 886)



وقد يكون الفساد بانتشار الفواحش وإشاعتها بين الناس والمجاهرة بها فينتج عن ذلك فساد آخر أشد وأنكي كانتشار الأمراض المعدية المهلكة عياذا بالله تعالى

وأذكر في هذا المقام إعصار كاترينا المدمر الذي حدث في مدينة ( نيو أورلينز) في أمريكا قبل سنيات قليله وكيف كانت تلك المدينة عبرة وعظة للعالم أجمع وهذه النذر والآيات لم تستطع أمريكا بقوتها وتقدمها العلمي والتكنولوجي أن تقف أمام قوة الجبار . كانت تلك مدينة علما من أعلام الفساد الفاحش المتمثل بمهرجاناتها الإباحية الخليعة والتي حظيت بمباركة من محافظ المدينة تلك الحادثة جعلت بعض اليهود وبعض الإنجيليين الجدد يقولون إن ما حدث لأمريكا عقوبة من الله جلّ وعلا, فهم يعتبرونها نذارة لأمريكا, وتخويف من الله بسبب فسادها وجبروتها. وهذا من العجب الذي يحتاج إلى تأمل إذ كيف يتفطن إلى هذا من هم أبعد الناس عن الدين الصحيح ويغفل عنه بعض المسلمين الذين جاهروا الله بالمعاصي ولاشك أن المجاهرين بالفجور في بلاد المسلمين ليسوا بمنئ عن عقوبة الله لهم التي من جنس إعصار كاترينا أو أشد حتى لو كانوا مسلمين ، بل قد يكون فجورهم أشد عذاباً وأنكى ، لأنهم عرفوا من شريعة الإسلام وقرأوا من القرآن ما تقوم به الحجة عليهم ,

وفي بلاد المسلمين حدّث ولا حرج عما يكون في البر و البحر والنهر وعلى السواحل والفنادق من الفساد ما يندى له جبين أهل الغيرة ، وتعتصر له قلوب المصلحين من شرب الخمور وزنا وعري فاضح بين الرجال والنساء .



وهناك الفساد الاقتصادي فهو ظاهر وقد تمثل بالربا والمجاهرة به ليلاً نهاراً ، والغش وأكل أموال الناس بالباطل وخداعهم بالمساهمات الوهمية التي استنزفت أموال الطبقة الفقيرة في المجتمع وقد يكون منهم يتامى وأرامل لا عائل لهم والغلاء الفاحش في السِلع والغبن في البيع وغيره من الصور التي تدمع العين ويوجل لها القلب خشية العقوبة الإلهية فيا الله كم من ظلم يقع على هؤلاء المساكين لا حول ولا قوة لهم إلا بالله


عودا على بدأ . فالذنوب سبب للفساد الذي ظهر وهي نقص وشر وآلام يحدثها الله في الأرض. وهي في نفس الوقت موجبة للفساد وكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة فإذا كان هذا الأمر كائن لا محالة لأن الله قدره أزلاً فهو متعلق بالإرادة الكونية التي لابد من وقوعها فلابد من مواجهتا بإرادة كونية آخري وسنة معلومة ألا وهي مقارعة الحق للباطل ودفعه قال تعالى:وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ بالأسباب المتاحة والسبل المتيسرةولو ترك الفساد ولم يدفع لزاد وانتشر قال تعالى : لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين .


· وهناك سبل للمدافعة : منها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم قال تعالى (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين
· ومنها: إقامة الحدود ففيها حياة الناس ولكم في القصاص حياة يا أُلي الألباب لعلكم تتقون وقال عليه الصلاة والسلام ( لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً)( رواه النسائي ) وذلك لأن إقامة الحدود تكف الناس عن تعاطي المحرمان والمجاهرة بها وإذا تركت المعاصي كانت سببا في نزول البركات من السماء إلى الأرض ومن أمن العقوبة أساء الأدب
· ومنها: صبر الدعاة إلى الله وجلدهم على إصلاح الأوضاع وعدم اليأس من التغيير وأخذ العبرة بمنهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأخذ الدروس والعبر من قصصهم بأن العاقبة للمتقين
· ومنها : التركيز في الدعوة على أهل الولاية ومن لهم صنع القرار فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع في القرآن
· ومنها : نشر العلم الشرعي المؤصل من الكتاب والسنة بين الناس لكي يتمكنوا من فهم أحكام الحرام . ومعلوم أن العلم نور يضيئ ظلمة الجعل

. نسأل الله بمنه وكرمه أن يصلح أحوال المسلمين في السر والعلن وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.


مشاركه/ من أحمد بن صالح العطيوي)