:التعريف اللغوي


الميم، والواو، والتاء. تشير إلى ذهاب القوة من الشيء سواء كان حيوانًا أو نباتًا. قال :


إِيَّاكم وَهَاتَينِ الْبَقْلَتَينِ الْمُنْتِنَتيْنِ أَنْ تأْكلوهُما وَتدْخلون مَسَاجِدَنَا ، فَإِنْ كنْتمْ لا بُد آكِلُوهُمَا فَاقْتُلُوهمَا بالنّارِ قبلا.[1]


فأصل الكلمة في اللغة إذن تدل على ذهاب القوة النامية. وقد تستعمل في ذهاب القوة الحسية، أو النفسية[2]

· وعلى هذا تنوعت دلالات الكلمة، من هذه الدلالات إطلاقها على

1- السكون. فكل ما سكن فقد مات، يقال: ماتت النار إذا برد رمادها فلم يبق من الجمر شيء، وماتت الريح ركدت وسكنت.


2- النوم. يطلق على النوم أنه موت حيث يقال في الدعاء المعروف: الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.


3- ذهاب القوة النامية. فيطلق على ذهاب القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات كقوله تعالى: فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم:30 الاية رقم:50] يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ


4- يطلق على زوال القوة الحسية كقوله تعالى يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا


[مريم: 19 الآية رقم:23].


5- الجهالة. فيطلق على الجهالة موت: كقوله تعالى أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ [الأنعام:6 الآية رقم: 122][3]

· أسماء الموت

والموت له أسماء كثيرة : من أسماء الموت : الموت ، والحتف ، والمنون ، والسام ، والحمام ، والردى ، والحين ، والثكل ، والوفاة ، و الهلاك . ألفاظ مؤتلفة ، ومترادفة[4].


وأما اليقين فقد جاء تفسير جمع من السلف بأنه الموت في قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] ، وكذلك قوله: وكنا نكذب بيوم الدين *حتى أتانا اليقين المدثر :47


قال الحافظ ابن حجر : وإطلاق اليقين على الموت مجاز لأن الموت لا يُشك فيه [5]


· ألوان الموت

والموت الأبيض : الجوع ؛ لأنه ينّور الباطن ويبيض وجه القلب فمن ماتت بطنته حييت فطنته


والموت الأحمر : مخالفة الهوى .


والموت الأخضر : لبس المرقع من الخرق الملقاة التي لا قيمة لها لاخضرار عيشه بالقناعة .وهذا عند أهل البدع من أهل التصوف


والموت الأسود : هو احتمال أذى الخلق [6]


وأنواع الموت بحسب أنواع الحياة :


الأول : ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات نحو قوله تعالى : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [ الفرقان :25 الآية رقم:49]


الثاني : زوال القوة الحساسة . ومنه قوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ .[مريم:19 .الآية66]


. الثالث : زوال القوة العاقلة وهي الجهالة نحو قوله تعالى أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ[الأنعام:6 الآية رقم:122]


الرابع : الحزن المكدر للحياة ومنه قوله تعالى : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:14. الآية:17]


الخامس : المنام فقد قيل : النوم موت خفيف ، والموت نوم ثقيل وعليه سماه الله توفيا


قال تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [تبارك :67 الآية رقم:2-1]


ثانيا: التعريف الاصطلاحي :


الموت يعرّف غالباً بأنه ضد الحياة ، والحياة ضد الموت، والحد الفارق بينهما وجود الروح أو عدمه.قال القرطبي في التذكرة: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما وتبدل حال وانتقال من دارا إلى دار [7]


الموت عند أهل السنة صفة وجودية


أي خَلَقَ الموت: يعني جعل من شاء مِنْ خَلْقِهِ ميِّتاً بعد أن كان حيا. وهو الذي يعبِّرون عنه بأن الموت صفة وُجودية وذلك لقول الله الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] فجعل الموت مخلوقا وكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كثيرة فيها أن الموت يؤتى به يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح على قنطرة بين الجنة والنار كما جاءحديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ، يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذَا فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هذَا الْمَوْتُ وَكلُّهُمْ قَدْ رَأَوْهُ ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذَا فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآه فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ، فَلاَ مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّار خُلُودٌ، فَلاَ مَوْتَ ثُمَّ قَرَأَ (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وَهؤُلاَءِ فِي غَفْلَةٍ، أَهْل الدُّنْيَا، وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)[8]


.[9]


وهذا له أدلة أيضا كثيرة تدل على ما ذكرنا من أنَّ الموت ليس عدما للحياة، وإنما هو وجودٌ لصفةٍ ليست هي الحياة . فالحياة وصف صفة، وهو وجود لصفة أخرى، وهذه الصفة الأخرى هي الموت. هذا هو الذي قرره جمهور أهل السنة.


وقال غير أهل السنة من الفلاسفة وبعض من وافقهم من أهل السنة وهو قول أهل الكلام فيما ذكروه في كتبهم الخاصة بالكلام، قالوا في تعريفهم للموت: الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّا.


وهذا التعريف تجده في كثير من كتب التفسير التي ينحو أصحابها منحى أهل الكلام، حتى إنَّ بعض المنتسبين لمنهج السلف ظنَّ أنَّ هذا التعريف يمشي فنقل بعض النقولات التي فيها هذا التعريف. المخالف لجمهور أهل السنة[10] ويجيبون عن الآية في قوله ?خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ? بأنّ الخلق هنا بمعنى التقدير، فيكون عندهم معنى الآية الذي قدّر الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا. وهذا مصيرٌ منهم إلى أن الموت عدمٌ محض. وهذا خلاف الأدلة الكثيرة من السنة وأيضا من القرآن التي تدل على أنَّ الموت حياة أخرى. ولهذا نقول لمن مات ، إنه في الحياة البرزخية وليس في عدمٍ. فحياة الإنسان متعلقة بروحه ومتعلقة بجسده. وحياة الجسد بحلول الروح فيه، فإذا فارقت الروح الجسد صار الجسد عديم الحياة.لذلك تنتثر أجزاؤه في التراب ويذهب.[11]


الحكمة من الموت


كل ما قضاه وقدره ، فلا بد وأن يكون له حكمة ، والحياة والموت من أعظم المخلوقات ، فلا بد وأن تكون الحكمة منهما عظيمة وكبيرة . . .


قال تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [تبارك67. الآية1-2]


قال ابن كثير : ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملا ؟ [12]


وقال القرطبي : وقيل معني ليبلوكم ليعاملكم معاملة المختبر ؛ أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره ، وبالحياة ليبين شكره ، وقيل : خلق الله الموت للبعث والجزاء ، وخلق الحياة للابتلاء . وقال السدي : أي أكثركم للموت ذكرا ، وأحسن استعدادا ، ومنه أشد خوفا وحذرا [13].


وكثرة ذكر الموت ليست مقصودة لذاتها إنما المقصود الحث على العمل الصالح .ورفع الدرجات قبل دنو الأجل واستغلال أوقات العمر فيما ينفع ولأن الموت ليس نهاية الحياة عند المؤمن . بل لما بعده من الحساب والعذاب كما أن بذكر الموت يعين على الإخلاص في العبادة فكيف يرائي العبد أحدا من الخلق وروحه بيد خالقه وهو الذي يملك الأمر ويدبره وهو الملجأ والمهرب وقد ورد في الحديث الصحيح عنه - -: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" [14]


اللهم اختم بالصالحات أعمالنا واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وصلى الله وسلم على نبينا محمد



[1]أخرج الطبراني في المعجم الأوسط 4/76رقم:3655 والحديث فيه ضعف . لكن أصله في صحيح مسلم في كتاب المساجد .باب النهي عن أكل الثوم والبصل برقم:561

[2] ) مادة مات : انظر : لسان العرب : (3/547) .

[3] المرجع السابق

[4] لألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة 2/233محمد بن عبد الملك بن مالك الطائي الجياني

[5] انظر الفتح8/384

[6]تفسير روح البيان . اسماعيل حقي الاستانبولي 8/392

[7]والتذكرة للقرطبي1/111

[8] الحديث في البخاري في كتاب التفسير باب وأنذرهم يوم الحسرة برقم 7430

[9]كما ثبت عند البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رقم: (4730) وصحيح مسلم برقم (2849).

[10] وقد ذهب إلى هذا التعريف صاحب الكشاف في تفسير الآية. أنظر تفسير الكشاف 2/1268 وقد تأثر بهذا اقول محمد سيد طنطاوي أنظر تفسيره الوسيط في تفسير آية الملك

[11](إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ 3/21

[12] تفسير ابن كثير8/176

[13]، الجامع لإحكام القرآن 18/205. وانظر المرجع السابق

[14]المسند (4/403). رقم: 19606