بسم الله الرحمن الرحيم
سبب اختيار قصةالبقرة دون غيرهما من قصص السورة ، لتكون اسماً لها وعلماً عليها

نزل القرءان على رسول الله في مرحلتين من النبوة , المرحلة المكيةوالمرحلة المدنية . أما المكية فلأن المسلمون عاشوها تحت وطأة الاضطهادوالتعذيب , فلم يتنزل عليهم القرءان مكلفا إياهم القيام بأعباء الدولة.بديهيا لعدم استطاعتهم الإفلات من التعذيب القسري والصد عـن سبيل الله،فضلا عن تكليفهم بإقامة دولة بأعبائها والدفاع عنها . فالتزم القرءان الجانب العقدي واستجلاب تجارب الأمم السابقة تعزيةً وما عانوه تثبيتاً للمسلمين على ما هـم فيه , وتسريةً لهم ببشرى النصر , وتثبيتهم بمشاهد الجنة والنار وترسيخ العقيدة في الله فيقلوبهم والصبر على كل شئ لقاء الإيمان به سبحانه .تلى ذلك أن دَعىَ الأنصار رسول الله للهجرة إلى المدينة , على أن يمكنوه فيها وأن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم . عندها شَـرعت السور المدنية تتنزل عليهم مهيئة لهم بناء الدولة الوليدة ، ومرشدة لهم في خطاهم هذه . كان منهذه السـور , فسطاط القرءان وســنامه , سورةالبقرة الكريمة الماجدة .
وهنا بدأت التكليفات للمسلمين ببناء دولتهم . ولكن , ولما كان المسلمون آنذاك بنو أمة أمية أبعد ما تكون الأمم عن التنظيم والحضارة (ولنا في المقارنة بينها وبين جارتيها من فرس وروم كانتا قد بلغتا في التنظيم الحضاري شأواً عظيما , وجه في الاستدلال على ما نقول) كان الوحي مرشدا وهاديا لهم في تنظيم دولتهم الرشيدة , مثلما كان هاديا لنوح في بناء سفينته (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) , ومعلما لداود في صناعة لأمته(وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم) . فظهر من هذا أيضاً كيف أنالدين في الإسلام هو عين الدنيا , وأن الدنيا بشـتى مسائلها هي موضوع الدين . فما الآخرة إلا الحساب والجزاء وليس ثَمَّ عمل .
فكيف رشَّدَ التشريع في سورة البقرة حياة هذه الأمة التي خرجت لتوها من نير القهر والتعذيب والتشريد , وسبق ذلك أن خرجت من نير ظلمة الجاهلية بعماها والكفر بظلمته ؟. وكيف رَشَّدت السورةحياة قوم ما أُنشئت فيهم يوما ما أكاديمية فكرية , ولا عُرف في القوم قبلها مفكر ولا فيلسوف كما بالأمم السابقة من يونان ورومان وصين ومصـريين وبابليين وغيرهم ؟ . وما ارتباط هذا كله بالقصة التي استُقيَ اسم السورةمنها ؟ .
بدأتالسورة ببيان مِنهاج الأمة الرشيدة , فقال تعالى "الذين يؤمنون بالغيب" . والغيبالإسلامي والغيب القرآني ليسا غيبين مطلقين , وإنما هما غيبان نسبيان لهماشواهد يُستهدل منها عليهِما . والله هو العليم الحكيم . فهو الذي خـلق , وهوالذي قدَّر فهدى , وهو الذي خلق كل شئ فقدره تقديرا "والشمس والقمربحسبان" . ولما كان لله الخلق والأمر , كان قوله تعالى "فما يكذبك بعد بالدين , أليس الله بأحكم الحاكمين" . فليأمر أحكم الحاكمين بما شاء،وليطعه عبيده فيما أمر , ففي إطاعته المغنم والمثوبة . كانت الأمة المسلمة في نشأة دولتها مفتقرة لمقومات الحضارة , فأتتها أوامر الله مرشدة وهادية . إلا أن السورة ابتدأت قبل تشريعها أوامر ونواهي بناء الحضارة الجديدة , ببيان واجبات ومنهيات وسبل تلقي هذه التشريعات . فأفهمت المسلمين أن عالِم الغيب ومقدِّرِ المقادير، هو الذي سيشرع لهم من الآن فصاعدا . فليطيعوه حتى فيماجل عن فهمهم في المرحلة التي هـم فيها , فالمستقبل غيب يُقدِّرهُ هو وحده (ألا له الخلق والأمر) , وبالتالي هو وحده من له حق التشريع سبحانه . وأول موجبات هذا التشريعالحضاري , إيمان بغيب . ثم تسوق السورة لهم حديث الله إلى ملائكته , فتريهم كـيف أن وجود الإنسان مؤسس ومنذ اللحظة الأولى على العلم "وعلم آدم الأسماء كلها " ، فتطمئن قلوبهم أن الله قد تعالىَ عن العبث واللعب . ثم تُريهم تسلـيم الملائكة لعلم الله الإلهي إذ تقول "سبحانك , لا علم لنا إلا ما علمتنا" , داعيةٌ إياهم بذلك للاقـتداء بالملائكة . مبينة لهم كـيف عرف الملائكة لاحقا - من فضل الله - حكمته فيما قضى وأمر , إذ عُرضت عليهم المسميات فلم يعرفوها فعرِفـها المخلوق الذي ســبق واستغربوا استخلافه , بل وعَـرَّفهم بها . ليسجدوا له بعد ذلك . فالصبر مع اليقين آيتا كلفـلاح مع أوامر الله ونواهيه .
أول مناهج بناء الحضارة الإسلامية إذاً , إيمان بغيب , واستقاء العلم منأوامر الله ونواهيه وإن غابت حكمة هذه أو تلك ساعتـئذ . ونعود لنتكلم عن سبب تسمية السورة- رغم عديد القصص الذي ورد بها - باسم هذه القصة دون غيرها، قصة بني إسرائيل مع البقرة. بالمدينة ... آن أوان إقامة الدولة , وآن أوان نزول تشـريعاتها . فيا أيتها الأمة التي تحبو في تشييد دعائم الحضارة المتفردة , حضارة الإسلام . اسمعيوأطيعي أوامر ربك . ولتأخذي سلفاً ومثلا من تجربة أمة سابقة ستقابلونها في المدينة يا أبناء الحضارة الوليدة . أمة بني إسرائيل التي تراجعت بعد أناختار لها الله الريادة .
هذه الأمة , لم تستجب لله حق الاستجابة رغم أن ذلك كان ليصلحها في الدنيا ويكتب لها الفلاح في الآخرة . والقصة التي اختيرت لتكون علما على السورة،بيان لذلك . أتت القصة في جزئين متتالين , أُخر السبب فيها وقُدِّمت النتيجة اختبارا لقاعدة الإيمان بالغيب والتسليم . أتى بنو إسرائيل وجيه الله بجثمان يتدافعون تهمة قتله بينهم , فأُمروا بذبح بقرة ...! فما كان بالقلوب التي تظاهرت بالإيمان عن غير حق , إلا أن أخرج الله منها ما كانت تكتمه . فصرحت بالسؤال المستهزئ لوجيه الله "أتتخذنا هزوا" . فلما نفى نبيالله تهمة الجهل عن نفسه , شرع بنو إسرائيل يدورون ويحورون حول أمر الله،وانشغلوا بأشياء ليست مما كُلفوا به . أمرهم وجيه الله بذبح بقرةٍ ولم يُزد , فأكثروا من السؤال عن هيئتها ولونها وكينونتها . شدَّدوا فشدد الله عليهم كما قال بن عباس . كان ذلك الجزء الأول من القصة , أما جزءها الثاني "فقلنا اضربوه ببعضها " . لم يقل وجيه الله ذلك منذ البداية ... لم يقل لهم أن وراء الأمر بذبحها حكمة , وأن عليهم بذبح بقرة ليفعلوا كذا وكذا . لا . بل أبلغهم فقط بوجوب ذلك . وللإرتباط بين فواتح السورة (الذين يؤمنون بالغيب) مرورا بحديث الملائكة السابق (إلا ما علمتنا) وانتهاءً بهـذه القصة، جمـيل ربط وتنظيم من القرءان الكريم . فتبارك من أوحى , وسبحان من شرع .
ذاك هو الأمر إذا . نزلت السورة(سورة البقرة) بالمدينة يوم أذن الله بقيام حضارة جديدة . ولأنه هوالخالق وحده , وهو واضع السُنن وحده ومُقدِّرُ الأقدار وحده , ألا يكون له وحده الحق في التشريع ؟! . فيا أيتها الأمة الجديدة , فيبداية تشييدكم لحضارة لم يسبق وأن توافرت بأيديكم مقوماتها , اسمعوا أوامرالله وإن خَفَتْ حكمتها عليكم , ولاتعاندوا رسولكم فيما يأمركم به من أوامر تشييد هذه الحضارة وإن كانت غيبا استعصت عليكم حكمته . وتعلَّموا من خيبة الأمــة التي ستقابلونها وتعاشرونهافي المدينة . فهي أمة عاندت أوامر الله واستهزأت ببلاغاتِ رُسله ولم تُسلسله القياد . وقصتهم مع البقرة هي الشاهد .
افتُتحت السورة المجيدة والتي غرضها الأساسي "مقومات الاستخلاف في الأرض" , ببيان المقوم الأول للنجاح , وهو استقاء الأوامر من الله بإيمانٍ بغيب . ثم اختُتمت بقوله تعالى :

"
وقالوا سمعنا وأطعنا" ,
لا كما قالت بنو إسرائيل لوجيه الله : " سمعنا وعصينا " .
فإياكم وأن تفعلوا مثلهم .

ولله العلم وحده ، وله الحمد وحده ....
ملحوظات :
أ. يتجلى بعض وجه المناسبة في القرن بين سورتي البقرة وآل عمران ، وما لهما من جزيل ثواب يوم القيامة ، في أن الأولى وصفت بكل تدقيق حال المغضوب عليهم ، وأن الثانية وصفت بدقة حال الضالين . وكلاهما سبق وأُجمل في سورة الفاتحة .
ب. قوله ص (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) : وماله من علاقة برفض بني إسرائيل ذبح البقرة . لم يستعذ (ص) من الاستهزاء الذي رموه به ، بل من الجهل . إذ العلم الذي أخبرهم به كان غيبا عليهم ، ولكِنْ شهادة من مقدِّرِ الغيوب والأقدار ، فافهم .
ج.ونِعم الاستخلاف على طريقة محمد . ولتعرف خيريته , إرجع للوثيقة التي أمر بها والمعروفة باسم "دستورالمدينة" ، لترى كيف استوعب فيها أهل الأديان الأخرى وعايشهم سلميا . في الوقت الذي تم التحضر فيه لغدرهم بفرض ذروة سنام الإسلام بطيات السورة نفسها. ف ، وجزاه خير ما جزى نبياً عن أمته .
د. نجح كثير من إخواني في الله في المداومة على قراءة الزهراوين يومياً , لحديث النبي الصحيح " فإني رأيتهما كغمامتين تحاجان عن صاحبهما" . والصاحب هو من لايفارق صاحبه . ونجح من أعرفهم ممن وفقهم الله لمراجعة الزهراوين يوميا مع سائر ورد المراجعة والتدبر . فاعزم اخي في الله , فالشمس ستدنو من رؤسنا يوم القيامة حتى لتكاد تصهرنا . وكلاليب جهنم وسفعها سيلفحاننا على الصراط . فلعنا ننجو إن سمعنا نصيحة النبي وصاحبنا زهراوتي القرءان , البقرة وآل عمران .