الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وصحبه والتابعين باحسان وكافة المرسلين
وعباده الصالحين

لعل المتأمل في عصرنا وواقعنا الراهن يرى هذه التناقضات الكبيرة على مسرح
الحياة والتي تعج بكل الضلالات من اتباع الهوى الى السقوط في حبائل الشيطان
والشهوة الجامحة وطغيان المال والجاه ، وأمام زحف الثقافات وزخمها أصبحنا أمام
امتحان حقيقي عسير وأصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة قد يتفشى فيه المرض
بسرعة كبيرة الى درجة رهيبة ، لذا وجب التذكير دائما وفي كل مناسبة
بقول الله في محكم كتابه العزيز :
- يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا - الآية
وهو حقا هجران كما نلمسه في واقعنا المرصود حيث انعدمت الأخلاق وكثر الفساد
وأصبح طغيان الاستبداد هو السائد في حياة تفتقد الى ما يرتق ما أفسده الدهر
حيث اضمحلت الأسرة وتداعت على هوانها واعتراها القنوط واليأس
فأصبحت مجتمعاتنا العربية والاسلامية تعاني نكسة أخلاقية بسبب هجرانها
معينا لا ينضب فيه قبس النور والهداية ، وانهم القوم الذي عناهم الرسول صلى
الله عليه وسلم على لسان الحق ، وها نحن نرى في عصرنا دعاة الحداثة مطئطئين
رؤوسهم وقد بهرهم بريق خداع يقتفون منه آثار واهنة بظنهم الخاطئ ومراءاتهم
ومرض نفوسهم لما اعتقدوا
أن هذه الطرق الحديثة في ميدان التربية هي المقياس الأنجع ، ولقد تجاهل علماء
التربية المسلمين ما يزخر به القرآن الكريم وبليغ السنة النبوية من دقائق ورقائق
يعجب لها حتى علماء التربية الغربيين أنفسهم ، فلو تناول علماء التربية المسلمون
بالدراسة والبحث آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول
في نشر تعاليم الاسلام وتعميم الوعي الاسلامي والهداية الالهية وتعمقوا أساليبها
وسبروا أغوار ما فيها من أسرار بلاغية وحكم بيانية لاستنبطوا قواعد تربوية
يشع منها نور الهداية وتفيض منه قوة البيان المؤثر في النفس فتنعكس
على حياتهم العامة ، ولاستكنهوا حقيقة التنزيل
وما يهدف اليه من تربية مثلى تتهذب فيها أخلاق الأفراد والمجتمعات ، حتى قد نراها تسير
على الأرض تتزكى بما لذ وطاب من أنوار وقبس الهدى ، ان أعظم غاية للدين هي تهذيب الخلق
فكتاب الله تتبع كل نقيصة في النفس البشرية وقومها للأصلح ، ودخلها من جميع
أقطارها وهذب أغوارها ونوازعها وكل ما يعيقها عن السمو الروحي وانتزع نواقصها بطرق بديعة وحكيمة
ليغرس فيها سموا وصفاءا ما يجعلها في مستوى ما أمر به الله الناس جميعا وليكون لها شرعة
ومنهاجا فتستقر وتصلح أحوال المجتمعات، فيشفي نفوسا حاقدة غاضبة وساخطة
ومتبرمة ويجعلها نفوسا متحابة راضية وادعة ومطمئنة .
قال تعالى - ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان - الآية ، وقال - وان
كنت من قبله لمن الغافلين - الآية ، فالله تعالى هدى رسوله وأحاطه
بعنايته ، وملأ عقله وقلبه نورا وايمانا ، قال تعالى - وعلمك ما لم تكن تعلم - الآية
فبقراءة القرآن قراءة متمعنة متدبرة تزول الحيرة والقلق عن النفوس وتحل محلها
السكينة الى الله ، والاطمئنان اليه والرضى بما شرع وقضى وحكم فتتطهر النفس
وتسلم من اتباع الهوى وتستقيم على نهج الحق .
ولعل المثل الأصدق الذي يصور واقعنا المرصود اليوم هو ما أخبر به الله
في محكم كتابه العزيز

قال تعالى :

-مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت
بيتا ، وان أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون - الآية
فهذه الآية الكريمة فيها ايضاح الأمور المعنوية بالصور المرئية المحسوسة
لتصبح شديدة التأثير في النفوس عظيمة الوقع عليها
والمثل ينطبق على الذين أطاعوا أهوائهم وشيطانهم وشهواتهم
وخالفوا مقتضى شريعة ربهم ، ولذلك عبر قوله تعالى -اتخذوا من دون الله أولياء -
ولم يعبر بآلهتهم وفي ذلك تذكير شديد الوقع على النفوس
لتتهذب أركانها حتى لا تعمل عملا تشرك فيه مع الله غيره
كمثال على : من صلى وتصدق وأحسن وأطعم وهو ينوي
بذلك التسميع والمراءاة .
فالعنكبوت لا تعلم غاية عملها ولا نتيجته فيصح أن يكون من
التشبيه المفرد فيكون المعنى مثل المشرك الذي عبد غير الله وحده
كمثل عنكبوت اتخذت بيتا ، وهو على الحقيقة بيت واهن بحكم غريزتها .