برحاب كلية الآداب و العلوم الانسانية ـ جامعة الحسن الثاني ـ بالمحمدية بالمغرب ، نوقشت يوم الثلاثاء 24 محرم 1433 الموافق لـ 20 دجنبر 2011 أطروحة لنيل الدكتوراه بعنوان " أثر التكامل المعرفي بين أصول الفقه و البلاغة في التفسير " للباحث عبد الله بن رقية ، و تكونت لجنة المناقشة من السادة الاساتذة:
الدكتور مولاي مصطفى الهند رئيسا
الدكتور مولاي عمر بن حماد مقررا و مشرفا
الدكتور ميمون باريش عضوا
الدكتور عبد الرحمان العمراني عضوا
الدكتور فريد شكري عضوا
و بعد المناقشة قررت اللجنة منح الباحث درجة الدكتوراه بميزة مشرف جدا مع التوصية بالطبع .
و هذا نص تقرير البحث الذي قدمه الباحث:
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد ، فهذه الدراسة المتواضعة جاءت في سياق خاص و هو الاستجابة إلى صريح اهتمام الوحدة العلمية ( وحدة التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية ) التي اسسها استاذي الدكتور سعيد بنكروم حفظه الله مع زملائه الاساتذة الكرام .
و جاءت في سياق عام لتلبية تصاعد الاهتمام بفكرة التكامل في الاوساط العلمية و الاكاديمية العربية و الاسلامية ، بعدما اتخذ مذهبا في النظر و التفكير، و البحث و التنظير والبرمجة الدراسية و التعليمية و الادارية و الفنية و اسلوبا في المجال العملي . و تم تداوله في أكثر من حقل معرفي سواء في العلوم الإنسانية أو الاقتصادية أو العلوم البحتة او علوم الإدارة و التسيير،أو علوم التربية وغيرها.
من الطبيعي ان ينضج التصور عن الموضوع تدريجيا كلما تقدم البحث ، و من الطبيعي ان يصاحب ذلك عوائق و عقبات ، يسعى الباحث الى مواجهتها و تجوازها ، وهذه سنة متبعة في كل بحث .
و عوائق هذا البحث تحوم حول جدة الموضوع ، و شساعة المجال المدروس و هو التراث العربي الاسلامي ، و هذا استدعى التزود بزاد معرفي تتحقق معه الكفاية المطلوبة و ادوات منهجية فعالة . و من اهمها اعتماد المنهج التاريخي في قراءة العلوم .و ما استتبعها من تدقيق المعارف و تصنيفها و تمحيصها و ضبط المصطلحات و المدارس و مواضيع العلوم .
و اشتملت هذه الدراسة على مقدمة وثلاث أبواب وخاتمة :
وقد جعلت المقدمة تمهيدا بين يدي البحث بهدف شرح خطة الدراسة وبيان أسس الاختيارات المعرفية و المنهجية المتبعة فيها . و فيها تحدثت عن العنوان و قلت انه يشي بفرضية ان للتكامل المعرفي بين اصول الفقه و البلاغة اثرا في التفسير. و هو ما سعى البحث لبيانه. بعد ذلك بينت العنوان وشرحت مضمونه . وشرحت اسباب اختياري للترتيب المتبع في دراسة الموضوع ، و هذا الترتيب حكمه منطق التدرج من العام الى الخاص و من المؤثِّر الى المؤثَّر فيه .
بالنسبة للباب الأول: فقد عملت في الفصل الاول منه على بيان مفهوم التكامل المعرفي بين العلوم عموما ، وذلك من خلال الوقوف على امثلة تداوله في اكثر من حقل معرفي. ثم سعيت الى البحث عن مفهومه في الفكر الاسلامي ، بعدها حاولت ان أدلي بدلوي في التعريف بهذا المصطلح ، و ذلك نظرا لافتقار الساحة المعرفية في الدراسات الاسلامية للتعريف المطلوب.
هذا وقد تحدثت في الفصل الثاني عن دواعي حضور فكرة التكامل المعرفي بين العلوم عند المسلمين و ذلك استنادا الى فطرية وجوده, التي استجاب لها الانسان ، و جعلها مذهبا في كل انشطته العمرانية بما فيها انشطته العلمية ، وقد تعزز حضوره عند علماء المسلمين في اطار وحدة الثقافة الاسلامية و وحدة لغتها. مما عمق و رسخ هذه الفكرة عندهم ، في كل مراحل العلم بدءا من الادبيات الموجهة لعملية التحصيل العلمي الى الممارسة العملية له ، الى نشاط الانتاج العلمي تدريسا و تأليفا.
كما تحدثت في الفصل الثالث عن مداخل التكامل المعرفي بين العلوم, محددا إياه في مدخلين, وهما: المدخل الاول: مدخل التكامل المعرفي بين مختلف الانظار في الحقل المعرفي الواحد ، وقد مثلت له بعلوم هي بمثابة ثمرات هذا التكامل, اعتمدت ان تكون هذه العلوم متنوعة. والمدخل الثاني: هو مدخل تكامل ادوار العلوم لخدمة الدين بشكل عام ولخدمة علم معين بشكل خاص. وقد مثلت له بمثالين اثنين لبيان ذلك و هما علوم الآدب التي عرفت فيما بعد بعلوم اللغة و علوم القرآن.
ثم بعد ذلك تحدثت في الفصل الرابع عن مجال التكامل المعرفي بين العلوم, وقد حددته في مجالات ثلاث: المجال الاول هو مجال احكام بنية العلم. وابرزت فيه آليات اشتغال التكامل, من خلال فكرة رحلة الافكار والنظريات والمصطلحات و آليات اشتغالها .و المجال الثاني وهو مجال بناء المواضيع الدراسية وقد مثلت له بأمثلة مختلفة لإبراز ذلك. و تحدثت في المجال الثالث عن مجال تحقيق النصوص ، و قد بينت فيه أن تحقيق النصوص لا يتم إلا في إطار فكرة التكامل.
و في الفصل الخامس تحدثت عن فوائد الوعي بالتكامل المعرفي بين العلوم, وذلك من خلال نماذج تبين فعالية التكامل و ضرورته في تسديد النشاط العلمي و التعليمي.
أما الباب الثاني: فقد خصصته للبحث في التكامل المعرفي بين علم اصول الفقه و علم البلاغة, حيث وقفت في الفصل الاول على الهيكل البنيوي لعلم اصول الفقه وبعد تعريفه وبيان موضوعه و غايته و مباحثه, حددت موقع الدرس اللغوي من مباحثه، و بينت ان الدرس اللغوي عند الاصوليين يتوزع بين ما يعرف بالمبادئ اللغوية و مبحث الدلالات . و في الفصل الثاني تحدثت عن البلاغة فعرفتها و بينت موضوعها و اقسامها و موقعها ودورها المعرفي . و خصصت الفصل الثالث لإبراز مواطن التكامل المعرفي بين أصول الفقه و البلاغة، و ذلك من خلال قضايا مختارة تمثل حقولا مشتركة بينهما، و هذه القضايا هي : قضية الخبر و الانشاء ، و قضية البيان ، و قضية الدلالات ، و الاقتصار على هذه القضايا يعد حصرا لموضوع الدراسة يقصد منه التمكن منها ، و مركزا في دراستها على بعض ملامحها البارزة. و قد استنتجت في هذه الدراسة ان لكل من العلمين دورا معرفيا محددا، و ان اختلاف هذه الادوار المعرفية مرغوب فيها للاستفادة منها . لأن التكامل المعرفي بين العلوم لا يتحقق الا في اطار التنوع القائم على التكامل لا على التعارض و الإلغاء. كما خلصت الى ان وراء اختلاف بنيتهما العلمية و وظائفهما المعرفية و وحدة مجال اشتغالهما تنوعا في اساليب البحث المؤثرة على حصيلة الدرس . و هذا كله ممهد للبحث عن التكامل المعرفي القائم بينهما في مجال موضوع البحث الذي هو تفسير القرآن الكريم .
و في الباب الثالث عنيت ببيان اثر التكامل المعرفي بين اصول الفقه و البلاغة في مجال التفسير ، و قد استدعى ذلك التطرق الى الكلام عن دور هذين العلمين في بناء صرح علم اصول التفسير باعتبارهما عمدة التفسير و عدة المفسر، و ان قواعدهما اللغوية هي مادة قواعد التفسير ، فتم ذلك في الفصل الاول من هذا الباب ، و قد بحثت في الفصل الثاني انواع التفسير و هما: التفسير التجزيئي و التفسير التركيبي الكلي و تطرقت الى دور اصول الفقه في انجاز التفسير الفقهي، والى دور البلاغة في انجاز التفسير البياني ، و هذين التفسيرين يمثلان الاتجاه التجزيئي في التفسير ، و درست التفسير التركيبي الكلي للقرآن و هو تفسير قائم على دراسة وحدة السورة بنية و دلالة . و تطرقت الى الحديث عن علم التناسب لدوره الهام في ادراك وحدة السورة بنية و دلالة. وبينت ان كل من اصول الفقه و البلاغة يشتركان في التفسير التجزيئي . لكن ينفرد علم البلاغة بدوره في التفسير الكلي التركيبي للسورة القرآنية و خلصت ان دور اصول الفقه في التفسير مكمل لدور البلاغة و العكس صحيح .
و خصصت خاتمة البحث للحديث عن نتائج البحث و آفاقه، و أهمها : ان فكرة التكامل المعرفي بين العلوم هو معطى اصيل في الممارسة التراثية ، بل ان بعض العلوم و المعارف هي حصيلة التكامل . و عليه لابد من التمذهب بالنظرة التكاملية في تعلمنا و تعليمنا . و بذلك ستفتح آفاقا واعدة في البحث العلمي.
الثلاثاء 24 محرم 1433 الموافق لـ 20 دجنبر 2011