بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام دين الله تعالى ، وشريعته الَّتي ارتضاها لخلقه في كلّ عصر ومصر ، وهذا يقتضي بالضَّرورة أن يكون فطريًّا في دلائله ومسائله ؛ ليلائم الفطر السَّويَّة في كلِّ زمان ومكان ، وهو كذلك بالفعل ، حتَّى إنّه سُمّي بالفطرة ؛ لشدّة ملاءمته لها ، ولأنَّه الدِّين القيِّم والحنيفيّة الَّتي خلق الله الناسَ عليها ([1]) ، قال تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ الرُّوم : 30 ] ؛ روى البخاريّ بسنده عن أبي هريرة t مرفوعًا : ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ t فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الآيَةَ[ الرُّوم : 30 ]))([2]) ، وروى مسلم بسنده عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ t عن النَّبيِّ e فيما يرويه عن الله ـ ـ قال : ((إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا))([3]) ، والحنف هو الميل عن الضَّلال إلى الاستقامة ؛ يقال : تحنّف فلان ؛ أي تحرّى طريق الاستقامة ([4]) ؛ فعُلم أنّ كلّ طفل يولد مستقيمًا على الإسلام حتَّى يطرأ التَّغيير على فطرته ، كما تولد البهيمة سليمة سويّة حتَّى يغيّر خلقها بقطع أنفها ، أو شيء من أعضائها ؛ ولهذا اقتصر حين الإخبار عن تغيير الفطرة على ذكر ملل الكفر دون الإسلام ([5]) ؛ فقال : ((فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ))([6]) ، ولم يقل : أو يسلمانه ؛ لأنّ الإسلام هو الفطرة الَّتي يُجبل عليها كلّ مولود ، كما وقع صريحًا من طريق الأعمش بلفظ : ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ)) ، ومن طريق أبي معاوية بلفظ : ((إِلاَّ عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ))([7]) . والفطرة على الإسلام لا تعني الولادة على معرفته وإرادته بالفعل ؛ لقوله تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [ النَّحل : 78 ] ، وإنّما المراد بذلك خلق الطِّفل على معرفة الحقّ وإرادته بالقوّة ، فكما يولد وفيه قوّة النُّطق والعقل والفعل والمعرفة والإرادة ، حتَّى إذا قدر نطق بالفعل وعقل وفعل وعرف ما يلائمه من الأغذية والأشربة والمنافع ، وطلبه بمقتضى طبعه إلاّ لمانع من مرض ونحوه ، فإنّه كذلك يولد وفيه قوّة معرفة الحقّ وإرادته ، ثُمَّ تنمو فطرته بنموّه حتَّى يعرف الإسلام ويريده بالفعل ، ويطلبه ويؤثره بمقتضى طبعه وجبلّته ، بحيث لو سلم المانع والمعارض ، وخُلّي وفطرته لكان بمقتضاها عارفًا بربّه ، موحِّدًا له ، محبًّا له ، ولا يحتاج في معرفة ربّه ومحبّته لسبب من خارج فطرته إلاّ في التَّذكير بما أودعه الله فيها من الحقّ ، أو تفصيله وتقويته وتكميله ([8]) ، قال تعالى : فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [ الغاشية : 21 ] ، وقال : فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [ الأعلى : 9 ] ، وقال : إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] ؛ قال ابن القيِّم : (( هذا كثير في القرآن ؛ يخبر أنّ كتابه ورسوله مذكّر لهم بما هو مركوز في فطرهم من معرفته ومحبّته وتعظيمه وإجلاله والخضوع له والإخلاص له ، ومحبّة شرعه الَّذي هو العدل المحض ، وإيثاره على ما سواه ))([9]) .
وهذا التَّناسق بين الفطرة والشِّرعة هو الأساس لقبول الإسلام في كلّ عصر ومصر ؛ لأنّ الإسلام إنّما يذكّر بما في الفطرة من الحقّ ، ويقرّره ، ويفصّله ، ويكمله ، ولهذا يستحيل تبديل الفطرة لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الرُّوم : 30 ] ؛ فلا يمكن أن يولد أحد من الخلق على غير الفطرة ، أو تمحى معرفة الحقّ وإرادته من داخله ، ولكن يمكن تغيير فطرته بأسباب تطرأ عليها حتَّى تعوقها أو تمنعها من الإذعان لما تعرفه من الحقّ ([10]) ؛ وهي كثيرة ، أهمّها ثلاثة أسباب : ـ
1 ـ الغفلة والنّسيان ؛ فقد دلّت النّصوص على أنّ الغفلة والنّسيان يطرآن على الفطرة ، حتَّى لا يذعن العبد لمقتضى الفطرة سهوًا وضعفًا أو عمدًا وقصدًا ، قال تعالى : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى ءَادَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [ طه : 115 ] ، وقال : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [ المائدة : 14 ] .
2 ـ التَّربية على العقائد الباطلة ، وتقليد الأسلاف في الشِّرك والضَّلال ؛ وهما سببان متكاملان يطرآن على الفطرة حتَّى تتنكّر لما استيقنته من الحقّ ، وتؤثر الشِّرك على التَّوحيد ، وشرائع الخلق على شريعة الحقّ ، قال تعالى : وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [ البقرة : 170 ] ، وقال : إنَّهُمْ أَلْفَوْا ءَابَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [ الصافّات : 69، 70 ] ، أي يسارعون في تقليد آبائهم ، واتّباع آثارهم وضلالاتهم، والاستمساك بدينهم وعاداتهم بلا حجّة من كتاب أو أثارة من علم إلاّ اتّباع أهوائهم وإلف باطلهم ([11]) . وإلف الباطل حتَّى تؤثره الفطرة على ما تعرفه من الحقّ يرجع كِبْره إلى تأثير المجتمع والأبوين في الصِّغر ، روى مسلم بسنده عن أبي هريرة t مرفوعًا : ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشَرِّكَانِهِ))([12]) ؛ فالأبوان يستقلاّن غالبًا بالتأثير على الطِّفل في صغره بالتَّلقين ، والتَّعليم ، والتَّرغيب والتَّرهيب ، حتَّى يألف دينهما ، وينشأ على محبّته ، والعزم على الاستمساك به ، ولهذا أضيف إليهما تغيير الفطرة إضافة سبب ، لا إضافة خلق كما تزعم القدريّة ([13]) .
3 ـ اجتيال الشَّياطين ؛ قال رسولُ اللهe فيما يرويه عن ربِّه U قال : ((إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا))([14]) ؛ والاجتيال هو الذَّهاب بالشيء وسوقه وإزالته عن مكانه ، وتحويله عن قصده ([15]) ؛ فاجتيال الشَّياطين وإضلالهم من أهمّ أسباب تغيير الفطرة ، فالشَّيطان يجول بالعبد في مسالك الضَّلالة ، وينقله من معصية إلى معصية ، حتَّى يخرجه عن أصل الحنيفيّة ، ويوصله إلى الشِّرك الأكبر ، والقول علىالله بلا علم ، فيحرّم الحلال ، ويحلّل الحرام ، ويتّخذ إلهه هواه ؛ ولهذا حذّر الله عباده من فتنة الشَّيطان ، واتّباع خطواته ؛ لأنّ نهاية طرقه ، ومنتهى قصده ، تغيير خلق الله ، ونقض أصل الملّة ، قال تعالى : يَا بَنِي ءَادَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [ الأعراف : 27 ] ، وقال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 168 ، 169 ] . والاجتيال عن دين الفطرة لا يختصّ بشياطين الجنّ ، بل يعمّ شياطين الإنس ، قال تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ [ فصِّلت : 29 ] ؛ فإنَّهم قد تفنَّنوا في الإضلال عن الحقّ ، وصدّ الخلق عن دين الفطرة بطرق كثيرةٍ ، منها : ـ
1 ـ تزيين الشَّهوات المحرّمة بكلّ ما أوتوا من وسائل التأثير والإغراء ، حتَّى انساق وراءهم ضعفاء القلوب والعقول ، وأضاعوا أثمن ما يملكون من دين وعفّة وصحّة بدنيّة ونفسيّة وروحيّة . وهذا الطّريق مزلق خطر لا يقف بصاحبه عند حدّ ، فكلّما فتح له باب تطلّع لآخر ؛ كالمسعور لا يشبعه ولا يرويه شيء حتَّى يكون مآله الدّمار ، أو الخروج عن فطرة الله الَّتي فطر النّاس عليها . واعتبر ذلك بحال المجتمعات الإباحيّة الحديثة ، فإرضاء نزوات كثير منهم لم يعد يكفيه المبذول المتاح ، فجنحوا عن الفطرة أيّما جنوح ، حتَّى كثر الشّذوذ ، والاعتداء على المحارم والأطفال وغيرهم ، وانتهى بهم الجنوح إلى اعتبار المثليّة شكلاً مشروعًا من أشكال الأسرة الطبيعيّة ، وهو انحراف لم يبلغه أسلافهم من أصحاب المؤتفكات ، قال تعالى : فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [ هود : 82 ، 83 ] ؛ أي وما عقوبة الأئتفاك والحصب الَّتي حاقت بقوم لوط ببعيدة عمَّن تشبّه بهم في ظلمهم وفعلتهم القبيحة ([16]) .
وقد كثرت إرهاصات العذاب ونذره ؛ من كوارث مفزعة ، وزلازل هائلة متلاحقة ، وأمواج طاغية عاتية ، وأعاصير مدمّرة ، وأمراض فتّاكة سارية ، وأزمات اقتصاديّة عالميّة خانقة ، ولكن مَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [ يونس : 101 ، 102 ] .
2 ـ السَّعي الحثيث لعزل الدِّين عن توجيه المجتمع توجيهًا كليًّا ينتظم الفرد والمجتمع ، والدَّعوة إلى إقامة الحياة وتنظيمها على أسس وضعيّة بحتة ، تحاكي النَّمط الغربي في كلّ مجالات الحياة . وقد لقيت الدَّعوة لتغريب المجتمعات الإسلاميّة قبولاً لدى كثير من المسلمين ؛ لأسباب أهمّها الجهل بحقيقة دينهم وتاريخه ، واختلافه الكامل عمَّا لدى الغرب من تاريخ مظلم لدينهم المنحرف ، فكان أخطر آثار ذلك الجهل ؛ الانبهار بحاضر الغرب وحضارته ، والدّعوة إلى الاستمداد غير الواعي من كلّ ما لديهم من مناهج ونظم وقيم ، حتَّى لو تعارضت مع دينهم وتراثهم ([17]) ، حتَّى كانوا حقًّا كما قال النَّبيُّ e : ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ فَمَنْ ؟))([18]) ، وفي رواية لأحمد : ((حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ مَعَهُمْ))([19]) .
3 ـ محاولة تقويض الإسلام من الدَّاخل ، واستبدال أصوله وقواعده الواضحة في الكتاب والسُّنَّة بأصول ومناهج ما أنزل الله بها من سلطان ؛ كالزَّعم بأنّ الدِّين مجرّد قول بلا عمل ، أو أنّ العمل الصَّالح مغيّا بمعرفة الإمام الغائب عن الأبصار الحاضر في الأمصار، أو بلوغ العبد مرتبة اليقين ؛ فإذا عرف العبد إمام زمانه ، أو بلغ مرتبة اليقين ونال العلم اللدنّي استغنى به عن الوحي ، ووسعه الخروج عن الشّريعة المحمّديّة كما وسع الخضر u الخروج عن الشّريعة الموسويّة ([20]) !! وكالزَّعم بأنّ ما جاء به النَّبيُّ e من كتاب وحكمة مجرّد دلالات لفظيّة لا تفيد يقينًا تبنى عليه المعتقدات، أو أنَّها مجرّد رموز وإشارات العقائد باطنة ، أو مجرّد تخييل لاستصلاح العامّة لا يعني بالضّرورة صدق وعد الله ووعيده ، ولا يقتضي لزوم العبادة حتَّى الممات ؛ لأنَّ العبادة بزعمهم مجرّد وسائل لترويض النّفوس لمعرفة العلم الإلهي ؛ فإذا حصل المقصود لم يبق للتألّه فائدة ([21]) !! وقد أثّرت هذه الأصول على كثير من المسلمين، وأضعفت روح الاستمساك بالشَّريعة في قلوبهم ، وانتهت ببعضهم إلى القدح في القرآن والسنّة والصَّحابة ، وهي النّهاية الَّتي تخشى على كلّ صاحب هوى لا يتداركه ربّه ؛ لأنّ العصمة من الضَّلال منوطة بالاعتصام بالكتاب والسُّنَّة لا بأصول وضعيّة ما أنزل الله بها من سلطان ؛ قال تعالى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] ، وقال e : ((تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ؛ كِتَابُ اللهِ))([22]) ، وقال : ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ ، تَمَسَّكُوا بِهَا ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ))([23]) .


+++++









([1]) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 6/300 ، تفسير القرطبي 14/24 .

([2]) صحيح البخاريّ : كتاب الجنائز ، ح ( 1270 ) .

([3]) صحيح مسلم : كتاب الجنّة وصفة نعيمها ، ح ( 5109 ) .

([4]) انظر : المفردات للرّاغب ص 133 ، 134 .

([5]) انظر : النّهاية لابن الأثير 1/246 ، 247 ، 296 .

([6]) تقدَّم تخريجه .

([7]) صحيح مسلم : كتاب القدر ، ح ( 4805 ) .

([8]) انظر : درء تعارض العقل والنَّقل 8/383 ، 384 ، 440 ، 445 ، 452 ، 463 ، 664 ، 482 ، أحكام أهل الذمّة لابن القيِّم 2/607 .

([9]) شفاء العليل ص 497 .

([10]) انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 8/424 ، 425 ، أحكام أهل الذمّة لابن القيِّم 2/574 .

([11]) انظر : تفسير القرطبي 15/88 ، تفسير ابن كثير 4/11 .

([12]) صحيح مسلم : كتاب القدر ، ح ( 4805 ) .

([13]) انظر : درء التّعارض لابن تَيْمِيَّة 8/362 ، 377 ، 380 ، فتح الباري لابن حجر 3/247 ، 250 .

([14]) تقدَّم تخريجه .

([15]) انظر : تهذيب اللّغة للأزهري 1/524 ، النّهاية لابن الأثير 1/317 .

([16]) انظر : تفسير ابن كثير 2/455 ، تفسير ابن سعدي 3/446 .

([17]) انظر : الموسوعة الميسَّرة في الأديان والمذاهب المعاصرة 2/698 ـ 707 .

([18]) صحيح البخاريّ ، أحاديث الأنبياء ، ح ( 3456 ) ، صحيح مسلم ، كتاب العلم ، ح ( 4822 ) .

([19]) مسند الإمام أحمد ، باقي مسند المكثرين ، ح ( 9443 ) .

([20]) انظر : مجموعة التَّوحيد لأئمّة الدّعوة السَّلفيّة ص 272 ، دراسة عن الفرق الدِّينيّة في تاريخ المسلمين لأحمد جلي ص 168 .

([21]) انظر : مقالات الإسلاميّين للأشعري ص 289 ، الرِّسالة الأضحويّة لابن سينا ص 97 ـ 103 ، المحصّل للرّازي ص 71 ، الصَّفديّة لابن تَيْمِيَّة 2/232 ، 240 .

([22]) صحيح مسلم : كتاب الحجّ ، ح ( 2137 ) .
والمراد : الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة معًا . كما وقع بسند حسن عند الحاكم والبيهقيّ وغيرهما . انظر : المستدرك 1/306 ، السُّنن الكبرى 10/114 ، دلائل النُّبوّة 6/54 ، المفهم للقرطبي 6/218 .

([23]) سنن أبي داود ، كتاب السُّنَّة ، ح ( 3991 ) . وهو حديث صحيح . انظر : سلسلة الأحاديث الصّحيحة للألباني 2/647 ، ح ( 937 ) .