مكانة الصلاة وخصائصها لابن تيمية
قال ابن تيمية : الصلاة لها شأن انفردت به على سائر الأعمال وتبين ذلك من وجوه نذكر بعضها مما انتزعه الإمام احمد وغيره
أحدها : إن الله سمى الصلاة إيمانا بقوله وما كان الله ليضيع إيمانكم يعني صلاتكم إلى بيت المقدس لأن الصلاة تصدق عمله وقوله وتحصل طمأنينة القلب واستقراره إلى الحق ولا يصح إن يكون المراد به مجرد تصديقهم بفرض الصلاة لأن هذه الآية نزلت فيمن صلى إلى بيت المقدس ومات ولم يدرك الصلاة إلى الكعبة وأول كان مجرد التصديق لشركهم في ذلك كل الناس وفي يوم القيامة فإنهم مصدقون بأن الصلاة إلى بيت المقدس إذ ذاك كانت حقا ولم يتأسفوا على تصديقهم بفرض معين لم يترك كما لم يتأسفوا على ترك تصديقهم بالحج وغيره من الفرائض ولم يكن اعتماد تصديقهم بالصلاة فقط أولى من تصديقهم بجميع ما جاء به الرسول هذا مع أنه خروج عما عليه أهل التفسير وعما يدل عليه كلام الباري لأن الله افتتح أعمال المفلحين بالصلاة فقال قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون وختمها بالصلاة فقال : والذين هم على صلاتهم يحافظون وكذلك في قوله إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون إلى قوله : ( والذين هم على صلاتهم يحافظون ) وهاتان الآيتان جمعتا خصال أهل الجنة وملاكها .
الثاني : إن الله تعالى قال لنبيه اتل ما أوحي إليك من الكتاب وتلاوة الكتاب اتباعه والعمل بما فيه من جميع شرائع الدين ثم قال أقم الصلاة فخصها بالذكر تمييزا لها فسبحانه خصها بالأمر بعد دخولها في عموم المأمور به وكذلك قوله :( وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) خصها بالذكر مع دخولها في جميع الخيرات وكذلك قوله تعالى : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكذلك قوله تعالى : ( فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله) فإن في طاعة الله ورسوله فعل جميع الفرائض وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقوله ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين تعم جميع الطاعات وقد خصت الصلاة بذلك الأمر والاصطبار عليها وكذلك اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير وكذلك قوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) فإن الصبر وإن كان هو الحبس عن المكروهات فإن فيه فعل جميع العبادات وكذلك قوله قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى فان الصلاة تعم العمل الصالح كله وإن خص بالصدقة وغيرها وكذلك قوله تعالى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري فإن عبادة الله تعم جميع الأعمال الصالحة ثم خص الصلاة بالذكر وقوله لبني إسرائيل وأوفوا بعهدي ينتظم جميع الفرائض ثم قال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين .
الثالث : أن كل عبادة من العبادات فإن الصلاة مقرونة بها فإن العبادة تعم جميع الطاعات وقد خصت الصلاة بذلك الأمر والاصطبار عليها فإذا ذكرت الزكاة قيل ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وإذا ذكرت المناسك قيل : فصل لربك وانحر ، إن صلاتي ونسكي ، وإن ذكر الصوم قيل واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فان الصبر المعدود في المثاني هو الصوم قال صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر
الرابع : أن الله أمر نبيه إن يأمر أهله بالصلاة فقال وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا مع أنه مأمور بالاصطبار على جميع العبادات لقوله واصطبر لعبادته وبإنذارهم بجميع الأشياء لقوله وأنذر عشيرتك الأقربين
الخامس : أن الله فرضها ليلة الإسراء وأمر بها نبيه بلا توسط رسول ولا غيره
السادس : أنه أوجبها على كل حال ولم يعذر بها مريضاً ولا خائفاً ولا مسافراً ولا منكسراً به ولا غير ذلك بل وقع التخفيف تارة في شرائطها وتارة في عددها وتارة في أفعالها ولم تسقط مع ثبات العقل .
السابع : أنه اشترط لها أكمل الأحوال من الطهارة والزينة باللباس والاستقبال مما لم يشترط في غيرها .
الثامن : أنه استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان من القلب واللسان وسائر الجوارح وليس ذلك بغيرها .
التاسع : أنه نهى إن يشتغل فيها بغيرها حتى بالخطرة واللفظة والفكرة
العاشر: أنها أول ما يجب من الأعمال وآخر ما يسقط وجوبه
الحادي عشر : أنها دين الله الذي يدين به أهل السماوات والأرض وهي مفتاح شرائع الأنبياء كلهم فان كل من دان لله من العقلاء فان عليه الصلاة ولم يبعث نبي إلا بالصلاة بخلاف الصوم والحج والزكاة ولهذا قال النبي لما اشترطوا إلا يحيوا بمعنى لا يركعوا لا خير في دين لا تحية فيه
الثاني عشر أنها مقرونة بالتصديق بقوله : فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ، وقوله : والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون وقوله تعالى : (وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) وخصائص الصلاة كثيرة جداً . شرح العمدة لابن تيمية 4/ 87 – 89 .
وقال أيضا : فإن الله ذم عموم الإنسان واستثنى المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون قال تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والسلف من الصحابة ومن بعدهم قد فسروا الدائم على الصلاة بالمحافظ على أوقاتها وبالدائم على أفعالها بالإقبال عليها والآية تعم هذا وهذا فإنه قال على صلاتهم دائمون والدائم على الفعل هو المديم له الذي يفعله دائما فإذا كان هذا فيما يفعل في الأوقات المتفرقة وهو أن يفعله كل يوم بحيث لا يفعله تارة ويتركه أخرى وسمى ذلك دواما عليه فالدوام على الفعل الواحد المتصل أولى أن يكون دواما وأن تتناول الآية ذلك وذلك يدل على وجوب إدامة أفعالها لأن الله ذم عموم الإنسان واستثنى المداوم على هذه الصفة فتارك إدامة أفعالها يكون مذموما من الشارع والشارع لا يذم إلا على ترك واجب أو فعل محرم وأيضا فإنه قال إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون فدل ذلك على أن المصلى قد يكون دائما على صلاته وقد لا يكون دائما عليها وأن المصلى الذي ليس بدائم مذموم وهذا يوجب ذم من لا يديم أفعالها المتصلة والمنفصلة واذا وجب دوام أفعالها فذلك هو نفس الطمأنينة فإنه يدل على وجوب ادامة الركوع والسجود وغيرهما ولو كان المجزىء أقل مما ذكر من الخفض وهو نقر الغراب لم يكن ذلك دواما ولم يجب الدوام على الركوع والسجود وهما أصل أفعال الصلاة فعلم أنه كما تجب الصلاة يجب الدوام عليها المتضمن للطمأنينة والسكينة في أفعالها وأيضا فقد قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين وهذا يقتضى ذم غير الخاشعين كقوله تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وقوله تعالى كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فقد دل كتاب الله على من كبر عليه ما يحبه الله وأنه مذموم بذلك في الدين مسخوط منه ذلك والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع فمن المعلوم أن الخشوع المذكور في قوله تعالى وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين لابد أن يتضمن الخشوع في الصلاة فإنه لو كان المراد الخشوع خارج الصلاة لفسد المعنى إذ لو قيل إن الصلاة لكبيرة إلا على من خشع خارجها ولم يخشع فيها كان يقتضى أنها لا تكبر على من لم يخشع فيها وتكبر على من خشع فيها وقد انتفى مدلول الآية فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة ويدل على وجوب الخشوع فيها ايضا قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون أخبر أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة وذلك يقتضى أنه لا يرثها غيرهم وقد دل هذا على وجوب هذه الخصال إذ لو كان فيها ما هو مستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها لأن الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعا ومنه حديث عمر حيث رأى رجلا يعبث في صلاته فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه أي لسكنت وخضعت وقال تعالى ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت فأخبر أنها بعد الخشوع تهتز والإهتزاز حركة وتربو والربو الإرتفاع فعلم أن الخشوع فيه سكون وانخفاض ولهذا كان النبي يقول في حال ركوعه اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعقلي وعصبي رواه مسلم في صحيحه فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع لأن الراكع ساكن متواضع وبذلك فسرت الآية ففي التفسير المشهور الذي يقال له تفسير الوالبي عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس وقد رواه المصنفون في التفسير كأبي بكر ابن المنذر ومحمد بن جرير الطبري وغيرهما من حديث أبى صالح عبد الله بن صالح عن معاوية بن أبى صالح عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله تعالى في صلاتهم خاشعون يقول خائفون ساكنون ورووا في التفاسير المسندة كتفسير ابن المنذر وغيره من حديث سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد خاشعون قال السكون فيها قال وكذلك قال الزهري ومن حديث هشام عن مغيرة عن إبراهيم النخعي قال الخشوع في القلب وقال ساكنون قال الضحاك الخشوع الرهبة لله وروى عن الحسن خائفون وروى ابن المنذر من حديث أبى عبد الرحمن المقبري حدثنا المسعودي حدثنا أبو سنان أنه قال في هذه الآية الذين هم في صلاتهم خاشعون قال الخشوع في القلب وأن يلين كنفه للمرء المسلم وأن لا تلتفت في صلاتك وفى تفسير ابن المنذر أيضا ما في تفسير إسحاق بن راهوية عن روح حدثنا سعيد عن قتادة الذين هم في صلاتهم خاشعون قال الخشوع في القلب والخوف وغض البصر في الصلاة وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مختار القرآن في صلاتهم خاشعون أي لا تطمح أبصارهم ولا يلتفتون وقد روى الإمام أحمد في كتاب الناسخ والمنسوخ من حديث ابن سيرين ورواه إسحاق بن راهوية في التفسير وابن المنذر أيضا في التفسير الذي له رواه من حديث الثوري حدثني خالد عن ابن سيرين قال كان النبي يرفع بصره إلى السماء فأمر بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده أي محل سجوده قال سفيان وحدثني غيره عن ابن سيرين أن هذه الآية نزلت في ذلك قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون قال هو سكون المرء في صلاته قال معمر وقال الحسن : خائفون ، وقال قتادة : الخشوع في القلب ومنه خشوع البصر وخفضه وسكونه ضد تقليبه في الجهات كقوله تعالى فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر
وقوله تعالى : يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون وفى القراءة الأخرى خشعا أبصارهم وفى هاتين الآيتين وصف أجسادهم بالحركة السريعة حيث لم يصف بالخشوع إلا أبصارهم بخلاف آية الصلاة فإنه وصف بالخشوع جملة المصلين بقوله تعالى الذين هم في صلاتهم خاشعون وقوله تعالى : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين وقال تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ومن ذلك خشوع الأصوات كقوله تعالى وخشعت الأصوات للرحمن وهو انخفاضها وسكونها وقال تعالى وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال تعالى وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية تسقى من عين آنية وهذا يكون يوم القيامة وهذا هو الصواب من القولين بلا ريب كما قال في القسم الآخر وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية وقال تعالى ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا وهو متضمن للسكون والخشوع فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض لم يسكن لأن السكون هو الطمأنينة بعينها فمن لم يطمئن لم يسكن ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده ومن لم يخشع كان آثما عاصيا وهو الذى بيناه . مجموع الفتاوى لابن تيمية 22/551 – 557 .
وقال أيضاً : والخشوع يتضمن معنيين أحدهما التواضع والذل والثانى السكون والطمأنينة وذلك مستلزم للين القلب المنافى للقسوة فخشوع القلب يتضمن عبوديته لله وطمأنينته أيضا ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا وهذا التواضع والسكون وعن بن عباس في قوله الذين هم في صلاتهم خاشعون قال مخبتون أذلاء وعن الحسن وقتادة خائفون وعن مقاتل متواضعون وعن على الخشوع في القلب وان تلين للمرء المسلم كنفك ولا تلتفت يمينا ولا شمالا وقال مجاهد غض البصر وخفض الجناح وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشذ بصره أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا وعن عمرو بن دينار ليس الخشوع الركوع والسجود ولكنه السكون وحب حسن الهيئة في الصلاة وعن ابن سيرين وغيره كان النبي وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء وينظرون يمينا وشمالا حتى نزلت هذه قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون الآية فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون وما رئي أحد منهم بعد ذلك ينظر الا إلى الأرض وعن عطاء هو أن لا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة وأبصر النبي رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ولفظ الخشوع إن شاء الله يبسط في موضع آخر وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب إذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ليس في قلبه كما روى تعوذوا بالله من خشوع النفاق وهو أن يرى الجسد خاشعا والقلب خاليا لاهيا فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره وما نزل من كتابه ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وهؤلاء هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وكذلك قال في الآية الأخرى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله والذين يخشون ربهم هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم فان قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب قيل نعم لكن الناس فيه على قسمين مقتصد وسابق فالسابقون يختصون بالمستحبات والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة ومن لم يكن من هؤلاء ولا هؤلاء فهو ظالم لنفسه وفى الحديث الصحيح عن النبي اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع وقد ذم الله قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع فقال تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة قال الزجاج : قست في اللغة غلظت ويبست وعسيت فقسوة القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه والقاسي والعاسي الشديد الصلابة وقال ابن قتيبة قست وعست وعتت أي يبست وقوة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة فانه ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف وليناً من غير ضعف وفى الأثر القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إلى الله أصلبها وارقها وأصفاها وهذا كاليد فانها قوية لينة بخلاف ما يقسو من العقب فانه يابس لا لين فيه وان كان فيه قوة وهو سبحانه ذكر وجل القلب من ذكره ثم ذكر زيادة الايمان عند تلاوة كتابه علماً وعملاً . مجموع الفتاوى لابن تيمية 7 / 28- 30 .