بسم الله الرحمن الرحيم
مواثيق الإيمان الَّتي أخذها الله تعالى على عباده بنفسه أو بوساطة رسله وكتبه ؛ ثلاثة أنواع رئيسة : ـ
الأوّل : ميثاق التَّوحيد ؛ قال تعالى : ]وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ[[ الأعراف : 172 ، 173 ] ؛ روى الترمذيّ بسنده عن عمر بن الخطَّاب t أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِe يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e : (( إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً ؛ فَقَالَ : خَلَقْتُ هَؤُلاَءِ لِلْجَنَّةِ ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ : خَلَقْتُ هَؤُلاَءِ لِلنَّارِ ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ! فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ e : إِنَّ اللهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُدْخِلَهُاللهُ الْجَنَّةَ ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ اللهُ النَّارَ ))([1]) ، قال القرطبي : (( معنى هذا الحديث قد صحّ عن النَّبيِّ e من وجوه ثابتةٍ كثيرة ))([2]) .
الثَّاني : ميثاق النّبوّة ؛ قال تعالى : ]وَإذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا[[ الأحزاب : 7 ] ، وقال : ]وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[[ آل عمران : 81 ، 82 ] .
الثَّالث : ميثاق الاتِّباع ؛ قال تعالى : ]وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلاَّ قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ[[ البقرة : 83 ] ، وقال : ]وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[[ المائدة : 7 ] .
وقد ذكر بعض العلماء ميثاقًا رابعًا هو ميثاق العقل ؛ قال الرَّاغب الأصفهاني : (( عهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا ، وتارة يكون بما أَمَرنا به بالكتاب وبأَلْسِنة رسله ))([3]) .
وهذا الميثاق كميثاق الفطرة الَّذي ذكره فريق آخر من العلماء ([4]) ؛ فالميثاقان كلاهما إنّما ذكرا بناءً على تأويل ميثاق التَّوحيد بدلالة الفطرة أو العقل ، ثُمَّ شاع هذا الإطلاق بين أهل العلم ([5]) مع أنّه لم يرد في الكتاب ولا في السنّة تسمية دلالة الفطرة أو العقل ميثاقًا .


+++++



([1]) سنن الترمذي ، تفسير القرآن ، ح ( 3001 ) . وأخرجه بنحوه مالك : الموطأ ، كتاب الجامع ، ح ( 1395 ) ، وأحمد : المسند ، مسند العشرة ، ح ( 294 ) ، وأبو داود : السنة ، ح ( 4081 ) ، والحديث أعلّه ابن عبد البرّ وغيره بالانقطاع والجهالة ؛ فمسلم بن يسار مجهول ، ولم يسمع من عمر بن الخطّاب . انظر : سنن الترمذي ، تفسير القرآن ، ح ( 3001 ) ، التمهيد لابن عبد البرّ 6/3 ـ 7 ، سلسلة الأحاديث الضّعيفة للألباني ح ( 3071 ) . وقد ذكر الدّكتور / عبد العزيز العثيم أنّ إعلال الحديث بالجهالة والانقطاع غير متّجه ، وأنّ الحديث لا ينحطّ عن درجة الحسن ؛ فجهالة مسلم بن يسار جهالة عين لا جهالة حال ، ومجهول العين تقبل روايته إذا وثّقه غير من انفرد بالرّواية عنه ، وقد وثّق مسلمًا عدد من الأئمّة . وعلّة الانقطاع تزول إذا روي الحديث موصولاً من طريق آخر ، وقد روي موصولاً من عدّة طرق ، ولهذا قال الدارقطني : إِنَّ وصله أولى بالصّواب . وعلم من هذه الطّرق الموصولة أنّ الواسطة بين مسلم بن يسار وعمر بن الخطّاب هو نعيمبن ربيعة ، وثّقه ابن حبّان ، وقال ابن حجر : مقبول ، وإنّما قال ذلك لقلّة حديثه ، فلا يؤثّر ذلك في روايته . وعلم من طرق الحديث أيضًا أنّ راوٍ آخر اسمه عمارة شارك مسلمًا في الرواية عن نعيم بن ربيعة ممّا يزيد الثّقة بحديثه ، ويعضد الحكم بحسنه كما نصّ على ذلك الترمذي أو الحكم بصحّته كما هو رأي ابن حبّان والحاكم والذهبي . انظر : أخذ الميثاق للدكتور / عبد العزيز العثيم ص 7 ـ 15 .

([2]) تفسير القرطبي 7/315 .

([3]) المفردات ص 350 .

([4]) انظر : محاسن التأويل للقاسمي 7/292 ـ 200 .

([5]) انظر : المحرّر الوجيز 2/475 ، تفسير القرطبي 1/246 ، 7/314 ، 9/308 ، 17/238 ، درء تعارض العقل والنَّقل لابن تَيْمِيَّة 8/482 ـ 492 ، تفسير ابن كثير 1/66 ، 2/235 ، 261 ، 264 ، روح المعاني 1/211 ، 242 ، 3/204 ، 6/49 ، 9/17 ، 13/139 ، 23/40 ، 27/169 ، 170 .