جد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسلم لأبيه.
هل عرفت الجزيرة العربية اسم محمد قبل مولد النبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟..
والإجابة بنعم..وذلك على التفصيل التالي:
أ. في عام (480) للميلاد.. اجتمع ببحيرا الراهب رهط من المدينة، هم سفيان بن مجاشع، ويزيد بن على بن ربيعة من بني تميم،
وأسامة بن مالك، وأُحـَيحة بن الجلاح بن الحريش، وذلك أثناء رحلتهم المعهودة إلى بلاد الشام..ودار بينهم
وبين بحيرا حديثاً طويلاً ، حول التوحيد واقتراب زمان مبعث نبي جديد،،وأن اسمه محمداً،أو هو أحمد..إلى أخر
الحديث الطويل بينهم والذي لا يعنينا من أمره شيئاً..
المهم أن كل منهم كان قد أقسم لئن رزقه الله بولد ليسمينه محمداً عسى أن يكون هو نبي آخر الزمان..
وبالفعل رزق كل منهم بولد ووفى كل منهم بقسمه فكان الأول:محمد بن سفيان بن مجاشع، والثاني محمد بن يزيد بن على بن ربيعة ،
والثالث محمد بن أسامة بن مالك، والرابع محمد بن أُحَيحة بن الجلاح بن الحريش..
ب . اكتملت الأيام سنيناً..ونزل بحيرا الراهب ليبحث عن النبي المنتظر في الجزيرة العربية وبعد طول
بحث التقى بالغلام الأول(محمد بن سفيان بن مجاشع) فوجده لصاً كذوباً،فأدرك أنه أبداً لن يكون هو نبي هذه الأمة..
والتقى بالغلام الثاني(محمد بن يزيد بن على بن ربيعة) فوجده فاسق خئون..فعلم أنه ليس فيه من أمارات النبوة ما ترشحه لها..
والتقى بالغلام الثالث(محمد بن أسامة بن مالك) فوجده فاجراً عربيداً..وبالطبع هذه ليست من صفات النبوة في شيء.
ثم التقى بالغلام الرابع (محمد بن أُحَيحة بن الجلاح)...وهذا الغلام الرابع نقف عنده وقفة قصيرة..
فلقد كانت أمه (سلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية.) وكانت حسيبة نسيبة جميلة..وكان زوجها (أحيحة بن الجلاح)
رجلاً شكيماً هياب المظهر..وبعد أن أنجب منها ولده (محمد) وقع بينه وبينها خلافاً أدى إلى طلاقها منه ثم
رحل عنها إلى بلاد الشام..وهناك في بلاد الشام مات ولم تكن تعرف بموته.
فلما جاء بحيرا يسأل عن (محمد) ابنه..ظنت (سلمى) أن زوجها (أحيحة) أرسل هذا الرجل في
طلب ابنه (محمداً)..فثارت ثائرتها وانفعل ابنها انفعالاً أخرجه عن مشاعره فلم يرض بفراق أمه التي ربته وسهرت عليه وأنضجته..
هنا أدرك بحيرا أن هذا الغلام أبداً لن يكون هو نبي هذه الأمة والموصوف في كتبهم (بالحلم).
وعلى الفور هدأ بحيرا من نفس الأم وولدها وأعلمها بالخبر الذي من أجله جاء..
ج . وفي عام (497م)..أي بعد عام واحد من لقاء سلمى ببحيرا الراهب ..التقت (سلمى) بهاشم بن عبد مناف ـ أصغر
أبناء عبد مناف سيد قريش وزعيم مكة ـ والذي كان في المدينة لتجارة له، فاستملح كل منهما الأخر وتزوجا..وسكن هاشم المدينة..
وفي عام سنة 497 م أن هاشماً خرج إلى الشام وترك زوجه عند أهلها وكانت قد حملت منه ولم يعرف بحملها.
ومات هاشم بغزة من أرض فلسطين، وولدت امرأته سلمى ووضعت غلاماً ، وسمته شيبة؛ لشيبة كانت في رأسه، وجعلت
تربيه في بيت أبيها في يثرب، ولم يشعر به أحد من أسرته بمكة.
د . نما شيبة وترعرع في حضن أمه وأخيه الأكبر(محمد بن أحيحة بن الجلاح)، فأحبه حباً جما فكان (محمد) بالنسبة
لشيبة هو الأب والأخ والصاحب والصديق ..وورث منه مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال..فشب
دمث الخلق..هياب المظهر..بهي الطلعة..وكيف لا وأمه النسيبة الحسيبة، وأبوه من نسل أصيل، ملأ على أمه فراغ أبيه الذي
تركه بالبيت بعد رحيله إلى بارئه..ووجدت سلمى في ولديها العوض والعزاء عن فقدانها للزوج..
ھ . ومات (محمد بن أحيحة)..وبكاه أخوه (شيبة)..وبكته أمه (سلمى)..
وحدث لسلمى ما لم تكن تتوقعه أبداً، فلقد جاء (المطلب) الأخ الأكبر لزوجها المتوفى (هاشم) ليأخذ ابن أخيه (شيبة) ليتربى
في كنفه، حسب عادة العرب..فاسترحمته (سلمى)، بأن يترك لها ولدها (شيبة).ولم تشف الدموع لتلك الأم الملتاعة
في زوجها وولدها، وهاهي ذي تفقد ما تبقى لها من حياة..
و . وأخذ (المطلب) شيبة ابن أخيه ورحل به إلى مكة..فلما دخل مكة وكان قد أردف (شيبة) خلفه..صاح
الناس جميعاً في صوت واحد وهم يشيرون إلى (شيبة) قائلين: عبد المطلب..عبد المطلب..
فصاح فيهم قائلاً لهم:ويحكم انه شيبة ابن أخي هاشم..ومع ذلك بقى هذا الاسم (عبد المطلب) لصيقاً به
طول العمر ولم يعرف في التاريخ إلا به..
ز . ثم إن المطلب هلك بـ [ دمان] من أرض اليمن، فولى بعده عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون
لقومهم،وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيه.
ح . ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان:
حفر بئر زمزم ووقعة الفيل
وخلاصة الأول:
أنه أمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها، فقام يحفر، فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجئوا إلى الجلاء،
أي السيوف والدروع والغزالين من الذهب، فضرب الأسياف بابًا للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، وأقام سقاية زمزم للحجاج.
ولما بدت بئر زمزم نازعت قريش عبد المطلب، وقالوا له: أشركنا.
‏قال:ما أنا بفاعل، هذا أمر خصصت به، فلم يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلى كاهنة بني سعد هُذَيْم، وكانت بأشراف الشام،
فلما كانوا في الطريق، ونفد الماء سقى الله عبد المطلب مطرًا، م ينزل عليهم قطرة، فعرفوا تخصيص عبد المطلب بزمزم ورجعـوا،
وحينئذ نذر عبد المطلب لئن آتاه الله عشرة أبناء، وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة.
وخلاصة الثاني:
أن أبرهة بن الصباح الحبشي، النائب العام عن النجاشي على اليمن، لما رأي العرب يحجون الكعبة بني كنيسة كبيرة بصنعاء،
وأراد أن يصرف حج العرب إليها، وسمع بذلك رجل من بني كنانة، فدخلها ليلًا فلطخ قبلتها بالعذرة . ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه،
وسار بجيش عرمرم ـ عدده ستون ألف جندي ـ إلى الكعبة ليهدمها، واختار لنفسه فيلا من أكبر الفيلة، وكان
في الجيش 9 فيلة أو 13 فيلا، وواصل سيره حتى بلغ المُغَمَّس، وهناك عبأ جيشه وهيأ فيله، وتهيأ لدخول مكة، فلما كان في
وادي مُحَسِّر بين المزدلفة ومنى برك الفيل، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول،
وإذا صرفوه إلى الكعبة برك، فبيناهم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول.
وكانت الطير أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر ثلاثة أحجار؛ حجر في منقاره، وحجران في رجليه أمثال الحمص،
لا تصيب منهم أحدًا إلا صارت تتقطع أعضاؤه وهلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض،
فتساقطوا بكل طريق وهلكوا على كل منهل، وأما أبرهة فبعث الله عليه داء تساقطت بسببه أنامله، ولم يصل إلى صنعاء إلا
وهو مثل الفرخ، وانصدع صدره عن قلبه ثم هلك.
وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب، وتحرزوا في رءوس الجبال خوفًا على أنفسهم من معرة الجيش،
فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين.
وكانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخمسين يومًا أو بخمسة وخمسين يومًا ـ عند الأكثر ـ وهو
يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة 571 م، وكانت تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته؛ لأنّا حين ننظر إلى بيت المقدس نرى
أن المشركين من أعداء الله استولوا على هذه القبلة مرتين بينما كان أهلها مسلمين، كما وقع لبُخْتُنَصَّر سنة 587 ق.م،
والرومان سنة 70 م، ولكن لم يتم استيلاء نصارى الحبشة على الكعبة وهم المسلمون إذ ذاك، وأهل الكعبة كانوا مشركين.
وقد وقعت هذه الوقعة في الظروف التي يبلغ نبؤها إلى معظم المعمورة المتحضرة إذ ذاك،فالحبشة كانت لها صلة قوية بالرومان،
والفرس لا يزالون لهم بالمرصاد، يترقبون ما نزل بالرومان وحلفائهم؛ ولذلك سرعان ما جاءت الفرس إلى اليمن بعد هذه الوقعة،
وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالم المتحضر في ذلك الوقت.
فهذه الوقعة لفتت أنظار العالم ودلته على شرف بيت الله ، وأنه هو الذي اصطفاه الله للتقديس، فإذن لو قام أحد
من أهله بدعوى النبوة كان ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة، وكان تفسيرًا للحكمة الخفية التي كانت في نصرة الله
للمشركين ضد أهل الإيمان بطريق يفوق عالم الأسباب.
وكان لعبد المطلب عشرة بنين، وهم: الحارث، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله ، وحمزة، وأبو لهب، والغَيْدَاق، والمُقَوِّم، وضِرَار، والعباس.
وقيل: كانوا أحد عشر، فزادوا ولدًا اسمه:قُثَم، وقيل: كانوا ثلاثة عشر، فزادوا: عبد الكعبة وحَجْلًا، وقيل:
إن عبد الكعبة هو المقوم، وحجلا هو الغيداق، ولم يكن من أولاده رجل اسمه قثم، وأما البنات فست وهن :
أم الحكيم ـ وهي البيضاء ـ وبَرَّة، وعاتكة، وصفية، وأرْوَى، وأميمة.
ط . عبد الله والد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظَة بن مرة، وكان عبد الله أحسن أولاد عبد المطلب
وأعفهم وأحبهم إليه، وهو الذبيح؛ وذلك أن عبد المطلب لما تم أبناؤه عشرة، وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه،
فقيل: إنه أقرع بينهم أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله ، وكان أحب الناس إليه. فقال:اللهم هو أو مائة من الإبل.
ثم أقرع بينه وبين الإبل فطارت القرعة على المائة من الإبل، وقيل:إنه كتب أسماءهم في القداح،وأعطاها قيم هبل،
فضرب القداح فخرج القدح على عبد الله ، فأخذه عبد المطلب، وأخذ الشفرة،ثم أقبل به إلى الكعبة ليذبحه،فمنعته قريش،
ولاسيما أخواله من بني مخزوم وأخوه أبو طالب.
فقال عبد المطلب : فكيف أصنع بنذري؟ فأشاروا عليه أن يأتي عرافة فيستأمرها، فأتاها، فأمرت أن يضرب القداح
على عبد الله وعلى عشر من الإبل، فإن خرجت على عبد الله يزيد عشرًا من الإبل حتى يرضى ربه، فإن خرجت
على الإبل نحرها، فرجع وأقرع بين عبد الله وبين عشر من الإبل، فوقعت القرعة على عبد الله ، فلم يزل يزيد من
الإبل عشرًا عشرًا ولا تقع القرعة إلا عليه إلى أن بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها، فنحرت ثم تركت،
لا يرد عنها إنسان ولا سبع، وكانت الدية في قريش وفي العرب عشرًا من الإبل، فجرت بعد هذه الوقعة مائة من الإبل،
وأقرها الإسلام، وروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:[أنا ابن الذبيحين] يعنى إسماعيل، وأباه عبد الله .
واختار عبد المطلب لولده عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهي يومئذ تعد أفضل امرأة في
قريش نسبًا وموضعًا، وأبوها سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه بها، فبني بها عبد الله في مكة، وبعد قليل أرسله عبد المطلب
إلى المدينة يمتار لهم تمرًا، فمات بها، وقيل : بل خرج تاجرًا إلى الشام، فأقبل في عير قريش، فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفي بها،
ودفن في دار النابغة الجعدى، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، وكانت وفاته قبل أن يولد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وبه يقول أكثر المؤرخين، وقيل: بل توفي بعد مولده بشهرين أو أكثر.
ولما بلغ نعيه إلى مكة رثته آمنة بأروع المراثى، قالت :
عَفَا جانبُ البطحاءِ من ابن هاشم ** وجاور لَحْدًا خارجـًا في الغَمَاغِـم
دَعَتْـه المنايا دعـوة فأجابهـا ** وما تركتْ في الناس مثل ابن هاشـم
عشيـة راحـوا يحملون سريـره ** تَعَاوَرَهُ أصحـابـه في التزاحـم
فإن تك غـالته المنـايا ورَيْبَهـا ** فقـد كـان مِعْطـاءً كـثير التراحم
وجميع ما خلفه عبد الله خمسة أجمال، وقطعة غنم، وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن، وهي حاضنـة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ي . ولد سيد المرسلين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشعب بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول،
لأول عام من حادثة الفيل، ولأربعين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان،
ويوافق ذلك عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريل سنة 571 م على أكثر تحقيق.