خصوصية النسق المفهومي القرآني

أنزل الله القرآن المجيد على عبده ورسوله محمد )تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ([سورة النحل/الآية: 89].
أنزله الله آية دائمة لرسوله ولأمته من بعده، لا يمل من كثرة التكرار ولا يسأم من الترداد، ولا يخلق على وجه الزمن ولا يشيب، يبقى دائما يحافظ على نضارته ولا يغيب شيء من طراوته، ولا يفنى شيء من شبابه عبر العصور وطول الدهور، فهو نور يخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم وهو تزكية وتذكرة، وبشرى ونذارة... إلى غير ذلك من الأوصاف والأسماء التي لا ينتهي معينها ولا ينضب.
وهو خطاب لا كأي خطاب، إنه خطاب عالمي معجز متحد مطلق، وإن كان قد تنزل بلغة عربية لفظا إلا أنه مطلق في معانيه محيط شامل يستوعب الإنسان والكون.
إلا أن الذي يجب التنبيه عليه أن هذه الصفات والأسماء، لا ينبغي أن تؤخذ على أنها مناقب هدفها الفضيلة فقط، بل هي محددات منهجية منتجة، وهي مبادئ عامة ذات صفة معرفية تجعل من القرآن مرجعية عالمية مستوعبة للأنساق الثقافية والحضارية كافة، السابقة واللاحقة بتصديق وهيمنة شاملين، وقدرة على الاستيعاب والتجاوز.
وقد تكفل كلام الله تعالى، القرآن -وهو يتنزل على مدى ثلاث وعشرين سنة- ببناء مجموعة مفاهيم تتصف بالإطلاق والخلود (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) [سورة النساء/الآية: 81]، وتكلفت السنة -وهي تبين للناس ما نزل إليهم بالقول والفعل والإقرار- بالبيان، حتى تمت كلمات الله ، وخرج الناس الخروج التام من مفاهيم الجاهلية ودخلوا الدخول التام إلى رحاب العالمية؛ عالمية الإسلام، عالمية الهدى والحق (هُوَ الذِّي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).
فالمفاهيم القرآنية هي الكاشفة عن الرؤية العالمية للقرآن، أو الرؤية القرآنية للكون، ومن المهم استيعاب أن القرآن الكريم عندما يستعمل الكلمة العربية، فإنه يخرجها من موقع الكلمة البسيطة إلى موقع المفهوم الغني بدلالاته وآفاقه، بحيث ينفتح على جملة من المعاني ما كانت ترد على الذهن قبل استعمال القرآن الكريم لها، ووضعها في نظمه وسياقه. "فالاستخدام الإلهي للمادة اللغوية ولأي مادة في الكون يختلف نوعيا عن الاستخدام البشري مع وحدة خصائص المادة، فحين يستخدم الله اللغة العربية في التنزيل فإنه يستخدمها وفق مستوى إلهي يقوم على الإحكام المطلق، فلا يكون في القرآن مترادفات توظيفا ضمن جناس وطباق، إذ تتحول الكلمة ضمن الاستخدام الإلهي إلى (مصطلح دلالي) متناهي الدقة (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [سورة الواقعة/الآية: 78-79]. فلكل كلمة في القرآن دلالتها المفهومية المميزة، وذلك خلافا للاستخدام البشري البلاغي العفوي لمرادفات اللغة، فلا يورد القرآن (مس) بمعنى (لمس) إطلاقا، ولهذا حين قال سبحان (لا يمسه إلا المطهرون) فقد قصد (النفس) الطاهرة وليس (البدن)، فالبدن (يلمس) ولا يمس..."[i].
فالقرآن الكريم يختص بنظام مفاهيمي، فريد في دلالاته وسياقاته، فكلماته ومفاهيمه ليست هي نفسها تلك الكلمات والمفاهيم التي كانت مستخدمة قبل الإسلام "فهو قد أعاد استخدام تلك المفاهيم وأضفى عليها قيما جديدة من خلال سياقها القرآني، وبإدراك هذا التحول في الاستخدام اللغوي يمكن الكشف عن الرؤية الكونية للقرآن"[ii].
لكن الذي ينبغي الإشارة إليه والتركيز عليه لما له من أبعاد منهجية ودلالات معرفية في هذا الجانب هو أن المفاهيم التي تكفل الوحي -كتابا وسنة- ببنائها ليست منثورة كيفما اتفق، وإنما هي -على حد تعبير الدكتور الشاهد البوشيخي- "فصوص في العقد الفريد للإسلام، منظومة نظما بديعا رائعا في نسق إذا نظر إليها، وقد انتظمت أفقيا، تجلى نسقها التصوري الشامل الكامل (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ اَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [سورة هود/الآية: 1]، (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [سورة الاَنعام/الآية: 39]، (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) [سورة الاسراء/الآية: 12]. وإذا نظر إليها وقد تتابعت تاريخيا في التنزل، تجلى نسقها المنهاجي التنزيلي المتكامل (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً،‏ وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) [سورة الفرقان/الآية: 32-33]»[iii].
وهذه الوحدة البنائية التي حاول البوشيخي أن يقاربها في هذا المقال هي التي دندن علماء الأمة حولها تحت عناوين مختلفة، فتارة سموها النظم، وتارة أخرى سموها الترتيب، وأخرى سموها الاتساق أو المعمارية أو البنائية مباشرة[iv].
وقد تنبه عبد الله دراز إلى هذه البنائية، وأدركها إدراكا عميقا كما يظهر ذلك جليا فيما سطره في كتابه النبأ العظيم، يقول : "ولماذا نقول إن هذه المعاني تنتسق كما تنتسق الحجرات في البنيان؟ لا، بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضوعي من أنفسهما، كما يلتقي العظمان عند المفصل، ومن فوقها تمتد شبكة من الوشائج تحيط بهما عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب... كما يأخذ الجسم قواما واحدا ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية"[v].
وقد سطر أحمد عبادي هذه الحقيقة فقال في معرض حديثه عن أهمية بنائية القرآن المجيد في المجال المعرفي: "إن القرآن المجيد في اتساق وحدته البنائية يحقق للبشرية وحدة معرفية تلملم شتات الإنسان المعرفي، وتوحد بين زوايا إدراكه، مما يشبه إكسابه جهاز تنسيق معرفي يمكنه من الخروج من التفرع الإدراكي ومرحلة الشركاء المتشاركين إلى صيرورته سما لله رب العالمين.
فيطفق على السير سويا على صراط مستقيم (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [سورة الملك/الآية: 22]"[vi].
إن الحرص واضح في القرآن الكريم على بناء مفاهيم نورانية انطلاقا من "البنائية القرآنية"، وإن الحرص واضح في السنة النبوية البيان على بيان المراد من ألفاظ القرآن، وما علينا إلا الصعود إلى علياء هذا الكتاب الكريم لنستعيد ارتباطنا المنهجي بهذا المطلق في وحدته المنهجية، ونسقه الكلي واتساقه الشمولي والتكاملي، ونعمل على كشف الدلالات المفهومية لألفاظه ومفاهيمه في إطار منهجيته المستمدة من وحدته البنائية (وَالَذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ، ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الذِينَ اَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [سورة فاطر/الآية: 31-32]... "فليس من عصمة لأحد بعد خاتم الأنبياء والمرسلين، وليس من كتاب مطلق مهيمن بعد القرآن، وقد أحاط الرسالة بكل شيء تبيانا وتفسيرا، والناس بين ظالم لنفس في تجاوزها ومقتصد في التعامل معها، ومنهم سابق بالخيرات التي دل عليها بإذن الله"[vii].

1.انظر منهجية القرآن المعرفية لمحمد أبو القاسم حاج حمد، ص: 97.

2.انظر المفاهيم والمصطلحات القرآنية، مقاربة منهجية، مقال للكاتب عبد الرحمن حللي منشور بمجلة إسلامية المعرفة، العدد: 35، شتاء 2004م.

3.انظر القرآن الكريم والدراسة المصطلحية، الشاهد البوشيخي، ص: 6.

4.انظر الوحدة البنائية للقرآن المجيد، أحمد عبادي، دراسة منشورة بمجلة رسالة القرآن العدد الأول ماي 2004م، ص: 21. ويزيد د, عبادي "وفي مقابل بنائية الكون، التي أطلق اكتشافها إمكان البحث المنهاجي الذي فجر كل هذه العطاءات المعرفية والمادية التي نشهدها اليوم، فقد من الله سبحانه بأن أقر بين ظهرانينا القرآن ترتيلا، وهذه الوحدة العضوية في القرآن المجيد، والتي تشكل أحد أهم وجوه الإعجاز فيه، تفتح المجال أمام القراءة المنهجية للآيات/البصائر صعدا محو مآلات معرفية لا حصر لها". نفس المرجع، ص: 20.

5.انظر النبأ العظيم، ص: 155.

6.أحمد عبادي مقال سابق، ص: 25-26.

7.الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر، طه جابر العلواني، ص: 103 بتصرف.


المصدر :الملتقى الفكري للإبداع