ارتبط العلم في الإسلام بالوحي منذ نزول (اقرأ باسم ربك الذي خلق) على النبي ، وكان يطلب الازدياد من العلم بازدياده من القرآن ولذلك أمره الله بالدعاء بزيادة العلم في قوله (وقل رب زدني علماً) ، ولذلك فإن الباحث له موقع لا ينبغي له أن يتخلى عنه، وأن يناضل من أجل البقاء فيه، والقيام بحقوقه على أكمل وجه، ومغادرتُه لموقعه أشبه ما يكون بمغادرة الجندي موقعه في المعركة، وعقوبة ذلك معروفة في الإسلام، حيث سماه التولي يوم الزحف، وعَدَّ ذلك من كبائر الذنوب؛ لأن الأمة الإسلامية لكي تستكمل سيرها لا بد لها من استجماع شروط معينة في مجالات كثيرة، منها مجال البحث العلمي، وهو مجال مؤسس للمعرفة وبنائها، ويقوم غيره بالترويج له ونشره والبناء على نتائجه، فهو بمثابة رأس الحربة أو رأس القاطرة التي تشق ظلام المستقبل، وتهدي السائرين في تلك الطرق.

إن معظم جوانب الحياة التي يعيشها الناس هي ثمار للبحث العلمي، فما يقتاته الناس ويلبسونه ويركبونه ويتصلون من خلاله ويكتبون به وغير ذلك هو ثمرة للبحث العلمي المتراكم. البحث العلمي الجاد هو الرأس شريطة وجود العلماء المخلصين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن البحث العلمي، ولا يشغلهم ما يشغل الناس من الصفق بالأسواق، والجري وراء العقارات، ومراقبة مؤشرات الأسهم في شاشات البنوك. ثم إن العلم المثمر لا يصلح له إلا الباحث المبدع المؤهل تأهيلاً خاصاً جدا، فهو لا يلتفت عن جادة العلم يمنة ولا يسرة، ولا ينشغل بحطام الدنيا؛ لأن رسالته أعلى وأغلى من ذلك كله، إن الباحثين الجادين في كل علم هم الذين يعملون في نواة العلم، بل في نواة النواة، وهي تلك النقطة التي تصنع الغد، وتبني المستقبل .
وإن الباحث في القرآن الكريم له خصوصية فوق ذلك كله، حيث إنه يغدو ويروح وهو يبحث في القرآن الكريم وميادينه الواسعة، استنباطاً للهدايات، وتلمساً للأحكام، وبيانا للمعاني، وتقريباً لعلومه لعموم المسلمين الذين يتعبدون لله بالقرآن الكريم وتعلم علومه، والباحث المجتهد المخلص في هذا الميدان ينتفع بعلمه وبجهده وبإخلاصه جميع الأمة بدرجات متفاوتة. والمتأمل لميدان الدراسات القرآنية في العصر الحديث يجد حراكاً مشكوراً في تطوير البحث العلمي، حيث حققت كتب التفسير، وطبع أكثرها وأهمها، ولم يبق في عالم المخطوطات منها إلا النزر اليسير، ومثل ذلك كتب علوم القرآن والقراءات والتجويد، وانطلق الباحثون خلال الخمسين سنة الماضية يحرثون حقل الدراسات القرآنية ويبحثون عن الثغرات لسدها، والهدايات لإبرازها، والصعوبات لتيسيرها، والقواعد لجمعها وترتيبها، والمناهج لتوضيحها وتقريبها، فأثمر كل ذلك حراكاً علمياً ملحوظاً، ونشر الكثير من هذه البحوث والدراسات، ولا يزال الكثير منها غير منشور ويحتاج إلى من يلتفت إليه لنشره من دور النشر ومراكز الأبحاث والكراسي البحثية.
إننا نتطلع للمزيد من الإبداع في خدمة البحث العلمي في القرآن وعلومه، وتوحيد الجهود بين الباحثين لتقليل الهدر، مع الاهتمام بتطوير طرق التدريس لمقررات القرآن الكريم والتفسير وعلوم القرآن وأصول التفسير والتجويد والقراءات ومناهج المفسرين وغيرها، والاستفادة من الدراسات الميدانية والبحوث المعمقة بالتعاون مع خبراء طرق التدريس لتطوير طرق تدريس هذه المقررات، واستثمار التقنيات في ذلك. وقد جربت تدريس التجويد لطلابي في مقرر التلاوة والتجويد في كلية التربية باستخدام التقنية التي تظهر اللسان وأعضاء النطق وهو يتحرك أثناء نطق الحروف لكي أبين لهم مخارج الحروف وكيفية إنتاج الصوت وصفات هذه الحروف، فلاحظت سرعة فهم الطلاب وإدراكهم لمعاني الإظهار والإدغام وأحكام النون والتنوين وغيرها بيسر وسهولة، مع الاستمتاع بذلك وسهولة استيعابه .
إن أمام الباحثين في حقل القرآن الكريم وعلومه الكثير من التحديات لتطوير هذا القطاع تطويراً يعيد القرآن وعلومه إلى مقدمة ما يهتم به المجتمع، ويتخذه نبراساً لمستقبله ، فهل يعي المتخصصون في القرآن وعلومه هذه الحقيقة ؟


المصدر : صحيفة رسالة الجامعة (العدد 1086) السبت 19 ربيع الأول 1433هـ (ص 10) ويمكن تصفح النسخة الورقية من هنا.