بسم الله الرحمن الرحيم
الإخوة أعضاء ومشرفي الملتقى
الدكتور عبدالرحمن بن معاضة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
عودة بعد انقطاع لملتقانا الأول:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا

وهذه خاطرة واستنباط من قصة يعقوب مع بذل الأسباب والتعلق بالله

أقول وبالله التوفيق:
التفت يعقوب للسبب الحسي حينما خاف على ابنه يوسف من كيد إخوته فلم يذكر القرآن أنه قال له في الاحتراز من هذه المكروه المتوقع سوى: "لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا.."

لكن ذلك لم يجد شيئاً على يعقوب وابنه فكاد له إخوته كيداً، سواءً قص رؤياه عليهم أو لم يقصها.

ثم تعلم يعقوب كيف يتصرف مع المخاوف، وكمله ربه بحسن تعليمه، والأنبياء لا يزالون يترقون في درجات العلم الشريف حتى يصلوا إلى حيث أراد الله لهم، فنرى موقفاً آخر ليعقوب :

"يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون"

ألا ترى تغيراً واضحاً في موقف يعقوب ؟
فالالتفات الصريح هنا للتوكل على الله ، مع بذل السبب الحسي، وهو الدخول من أبواب متفرقة، ولذا فإن في الآية خمس جمل واحدة في بذل السبب وأربع منها في التوكل ولا حظ تقديم بذل السبب!!!
والأربع هي:
وما أغني عنكم من الله من شيء
إن الحكم إلا لله
عليه توكلت
وعليه فليتوكل المتوكلون"

ولذلك سلم من المكروه المتوقع له، وزاد القرآن تأكيده على صحة موقف يعقوب الذي علمه الله له فقال الله :
" ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذوا علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
فتأمل كيف وضع الله السبب في موضعه الصحيح:"ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها"
وحاجته التي قضاها - والله أعلم- هي بذل السبب المأمور ببذله.
فلما فهم يعقوب تعليم الله له سلم من المخاوف وأثنى الله على حسن تعلمه وسرعة فهمه فقال:
"وإنه لذوا علم لما علمناه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
وبالفعل فأكثر الناس لا يعلمون وأكثر الناس يخلطون بين بذل السبب وبين الالتفات أو التعلق أو الاعتماد عليه على تفاوت بينهم، وبين ترك الأسباب ومحاولة التسلق للتوكل بدون بذلها.

والله تعالى أعلم