أصبحت دراسات استشراف المستقبل اليوم تعتمد على أسس علمية تقترب من الحقيقة بنسبة عالية بعد تقدير الله، وقد قطع الباحثون في هذا الميدان شوطاً كبيراً، وقد تأملت في إمكانية الإفادة من هذه المناهج في استشراف مستقبل الدراسات القرآنية خلال الخمسين سنة القادمة بحيث يقوم مشروع بحثي متكامل وفق أسس علمية يستعان فيها بخبراء في استشراف المستقبل وفي القرآن وعلومه، بحيث تنجز لنا هذه الدراسة خارطة طريق للمتخصصين في خدمة القرآن وعلومه والمشتغلين ببحوثه ، والمهتمين بنشر هداياته للعالمين ، ولا سيما أنه كتاب عالمي جاء به رسول عالمي ، وقد ذكر الله في كتابه أنه أرسل رسوله بمفرده إلى الناس كافة، ولو أراد لأرسل لكل قرية رسولاً خاصاً (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً) أي : ولو شئنا يا محمد لأرسلنا في كل بلد أو قرية نذيراً ينذرهم بأسنا، ويخوفهم من عاقبة الكفر والعصيان، فتخف بذلك أعباء القيام بالرسالة للكافة وحدك، ولكنا حملناك ثقل نذارة الجميع، لتستوجب جميع ما أعد للمرسلين من الكرامة. وفي هذه الآية أمور جديرة بأن نجدد بها إيماننا بعظمة القرآن وعظمة الرسول وعظمة رسالته (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) ولذلك فالقرآن ودراساته وبحوثه جديرة بأن نبذل من أجل خدمتها الكثير من الجهد والمال والتخطيط ، حيث إنه أعظم وسيلة بين أيدينا اليوم لهداية الناس وجهاد المبطلين ، ولذلك قال الله : (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً) أي بالقرآن العظيم ، فالجهاد ببيان حججه وهداياته من أعظم الجهاد.
ومن المؤشرات التي يمكن الاسترشاد بها في استشراف مستقبل الدراسات القرآنية والبحث العلمي فيها :
أولاً : قيام عدد من مراكز البحوث والكراسي البحثية المتخصصة في القرآن وعلومه، وهذه فرصة سانحة لتحقيق هذا المشروع ، حيث مرت علينا سنوات لا يوجد مركز بحثي واحد يخدم القرآن وعلومه ويحرص على التطوير خصوصاً .
ثانياً : زيادة عدد الباحثين بنسبة مطردة، حيث إن عدد طلاب الدراسات العليا في العالم الإسلامي في حقل الدراسات القرآنية يزيد سنوياً، ويمكن إجراء رصد دقيق لعددهم باعتبارمحدودية الأقسام العلمية التي تقدم برامج الدراسات العليا في القرآن وعلومه، وهؤلاء الباحثون ملزمون ببحوث مرتبطة بالقرآن الكريم، مما يدعو للاستغلال الأمثل لهذه الطاقات الشابة .
ثالثاً: زيادة عدد الكتب التي تطبع سنوياً في العالم من كتب القرآن وعلومه، يمكن إجراء رصد دقيق لها حسب البلدان، وحسب التخصصات الدقيقة في حقل القرآن وعلومه للخروج برؤية أوضح لواقع هذه المطبوعات القرآنية، واستشراف مستقبلها بشكل دقيق .
رابعاً: تزايد البرامج الإعلامية المعنية بالقرآن تصحيحاً لتلاوته ونطقه وهذه تلقى إقبالاً كبيراً على القنوات أو الإذاعات، أو من خلال المقارئ الإلكترونية على الانترنت، أو بياناً لمعاني القرآن وتفسيره وهذه ما زالت محدودة، وهناك برامج تناقش مسائل علوم القرآن وتحاول تصحيح معلومات ومفاهيم المسلمين عن القرآن الكريم ونزوله وجمعه وكتابته ونحو ذلك، وهي نادرة .
خامساً: إقبال الأمة على تدبر القرآن، وبدء انتشار ثقافة تدبر القرآن بعدة وسائل يمكن رصدها وإجراء دراسات مسحية حولها لتثمر تصحيح طرق نشر هذه الثقافة وترشيدها والمحافظة عليها.
سادساً: تزايد المواقع الإلكترونية على الانترنت التي تخدم القرآن الكريم بكافة صور الخدمة لبث التلاوات ونشر التفاسير، وتعليم التجويد والقراءات والحوار العلمي عن مسائل القرآن وغيرها، وهذه الجهود الإلكترونية في حاجة إلى دراسة علمية دقيقة تستشرف مستقبلها، بشكل مفرد نظراً لتسارع التطور في هذه التقنيات، ويستفاد منها في استشراف مستقبل الدراسات القرآنية عموماً.
ويمكن إجراء دراسات خاصة بهذه المسارات داخل الدراسات القرآنية ثم جمعها في مشروع واحد بعنوان ( استشراف مستقبل الدراسات القرآنية1433-1500هـ) يكون بين يدي المؤسسات والباحثين وأصحاب القرار لتوجيه الجهود في خدمة القرآن الكريم الخدمة التي تليق به وبإمكانيات الأمة الإسلامية وطموحاتها ، وأرجو ألا أكون بهذا الطموح خيالياً أو مجازفاً .

المصدر : صحيفة رسالة الجامعة (العدد 1087) السبت 26 ربيع الأول 1433هـ (ص 10) ويمكن تصفح النسخة الورقية من هنا.