بسم الله الرحمان الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفكرة الرئيسية التي تشد الإنتباه في هذا الكتاب من تأليف الأستاذ حمو النقاري هي كيف أدى إهتمام الفلاسفة المسلمين بالمنطق إلى تخلف الإنتاج في العلوم التجريبية و مما لاشك كبير فيه أن المقصود بالمنطق هنا هو المنهج الذي ينظر من خلاله إلى الظواهر لا الآلية التي يحكم بها العالم في مختبره على تجربة -و هي آلية أخرى- يدرس من خلالها ظاهرة ما. هذه الفكرة عبرت بي إلى ثلاثة أفكار أخرى حيث بدأت أفكر في ربط بعض ببعض.

الفكرة الأولى تتمحور حول الحماس الذي قدم به محمد عابد الجابري كتاب إبن رشد في نقد الكلام، و أنا لا أتذكر عنوان الكتاب لأني نسيته لكن لم أنسى الأفكار العامة فيه، بحيث أن هذا الحماس جعله يجلس إبن رشد على عرش المدافعين عن العلم. في الكتاب رأيت إبن رشد ينتقد الكلام و منهجه الجدلي لأن مقدماتهم جدلية أي لا يحصل بها اليقين. وأنا لا أدري كيف خفي ذلك عن الجابري وهو معاصر للثورة العلمية التي إن لم تعلم شيئا فقد علمت أن العلم الحديث نظري لا يقيني أو على الأقل يقوم بالنظر لا باليقين و عليه ينبني الإنفتاح بشكل عام.

الفكرة الثانية تتعلق بالباحثين الغربيين في الفلسفة الاسلامية و الفلاسفة المسلمون، وبعد التفريق بين الدراسات التاريخية و الدراسات التحليلية، فهم يدعون أن دراساتهم التحليلية حديثة و منفتحة إلا أنها في حقيقتها سلفية خالصة إذ هم، و الباحثين المسلمين المتأثرين بهم، على سنة القدماء في التصنيف، هذا التصنيف الذي كان وضعيا يخص ذاك العهد ومناسباته، الذي لا يتناسب مع المناهج الحديثة التي لا تستطيع أن تستثني أي نمط تفكيري و تدبري في أي مجال كان من النشاط الفلسفي كما عايشنا ذلك في إحتجاج أكاديميين على تشريف جامعة كامبردج، أو جامعة أخرى لا أتذكر، الفيلسوف جاك ديريدا بدكتوراه شرف تحت غطاء حجة مضمونها أن أعماله لا تنتمي لمجال الفلسفة فكان نقد تلك الحجة بحجة أخرى أنه ليس من فقه الفلسفة، أو فلسفة الفلسفة، تكفير أي نشاط تدبري. والسؤال هنا: لماذا تلك السلفية في التعامل مع الفلسفة الإسلامية؟ هذه السلفية سلفية من ناحيتين، الناحية الأولى ذكرتها، و الناحية الثانية أنها متصلة بالفلسفة المدرسية التي إندثرت مع قيام الفلسفة الحديثة على يد ديكارت، أي فلسفة أرسطو مختلطة بالرشدية و الآكوينية و تيارات فكرية أخرى غير متباعدة. هذه الرجعية تعود للكسل أم عدم توفر مصادر معرفية أخرى أم أنه أمر متعمد سببه إحداث قطيعة بين الحضارة الاسلامية و الحضارة الغربية لتكون الرسالة التي يريد هؤلاء الأكاديميون تثبيتها هي غياب أي خط إتصال بين الحضارتين و أن شأن الحضارة الإسلامية بالنسبة للنهضة الغربية (في العلوم التجريبية) هو نفسه شأن الحضارة الإغريقية بالنسبة لهذه النهضة؟ هم عندهم، وأتكلم عن التيار المهيمن لا الأفكار الإستثنائية هنا وهناك، النهضة العلمية قامت بعد إحداث القطيعة مع أرسطو، لكن هل كانت هذه القطيعة فعلا غربية أم أن إبن تيمية و البغدادي فكريا، و إبن الهيثم الحسن عمليا، هم السابقون الأولون؟

و الفكرة الثالثة إذا أجبنا بالإثبات على السؤال الأخير في الفكرة الثانية لماذا لم ينجح التيار التيمي البغدادي الهيثمي في إرساء العقلية التجريبية، و، فكريا، لماذا لا نرى دراسات حول هذه القطيعة - بعد و قبل تعرف المسلمين على التراث اليوناني - تهيمن في الساحة بدل هذه التقاليد الموروثة التي تأتي من الداخل و الخارج؟
نحن نرى من الدراسات القرآنية و من السنة النبوية ما يؤكد هذه العقلية.
في الدراسات القرآنية يجب أن نختلف مع مفكر آخر وهو طه عبد الرحمن الذي يرى أن آيات النظر في القرآن تفيد النظر الملكوتي لا النظر الملكي - أو كما قال - أي تفيد نظر يؤدي إلى معرفة الله لا النظر الذي يؤدي إلى معرفة صنع الله.
و في السنة النبوية أمثلة ساطعة تؤكد على العقلية التجريبية في رواية (أنتم أعلم بأمور دنياكم) و في رواية نزول الرسول الكريم عند رأي الخبراء العسكريين، و في رواية أيكما أطب فالذي أنزل الدواء أنزل الأدواء، وروايات أخرى. أريد أن أقول لابد وأن هناك من مارس الفكر و العمل بهذه العقلية لا بالقياس و الصور و العقول الفعالة و المفعولة، فكيف إستطاعت تلك الرجعية، التي يؤكدها الغربيون فيتأثر بها المسلمون وكأن هذا موضع شرف لا يفوقه شرف آخر عندما يتعلق الأمر بدراسة التدبر الإسلامي، الهيمنة؟

حياكم الله جميعا