إنها روعة التناسق القرآني في سياقه المنظوم ، والتي هي جزء من الإعجاز القرآني ، وأعرض نزراً يسيراً من هذه الروعة لآياتٍ من سورة النحل الخمسة (65-69) الواردة في بيان نِعَم الله للتدليل على استحقاقه للعبادة وحده ، وهذه الآيات هي :
(وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69))
وتظهر جمالية التناسق في هذه الآيات فيما يلي من بيان الصور :
الآية الأولى صورةٌ لسماء تقطر ماء .
والآية الثانية : صورةٌ لأنعام تقطر لبناً .
والآية الثالثة صورةٌ لثمار تقطر شراباً .
والآية الرابعة والخامسة : صورةٌ لنحلٍ يقطر عسلاً .
ويتكون من هذه الصور الأربعة صور رائعة لنعمة الأشربة ، فهي أشربة يحتاجها الإنسان ، وعن الطريق التفكُّر فيها يعلم العبد فينا أن الله سبحانه مستحق للعبادة وحده .
- وتأمَّل معي بارك الله فيك ! فإن الآية التي تتحدث عن الأنعام ذَكرتْ موضوع اللبن ؛ لانتظام السياق عن الشراب في صوره الأربعة ، بينما تتحدث آية أخرى عن الأنعام في نفس السورة ولكن في سياق آخر ، إنه سياق اللباس والبيوت وأكنان الجبال ، ولذا جاء الحديث فيها عن جلود الأنعام وأصوافها وأوبارها ، لا عن ألبانها ، وانظر – بارك الله فيك – إلى الآيات وتأمّل :
(وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)) (النحل)
- ولكن لماذا جاء بيان الصور الأربعة في الآيات الخمسة (النحل : 65-69) على هذا الترتيب ؟
جاء الحديث أولاً عن نزول الماء من السماء ؛ لأن نفعه عام ومهم ولا يستغني عنه بشر ، ويدرك كلُّنا هذه النعمة حتى الراعي في الصحراء .
وجاء الحديث عن الأنعام ثانياً ؛ لأنها الأهم بعد الماء للعرب الذين خاطبهم القرآن ابتداءً .
وجاء الحديث عن الثمار بعدها ؛ لأن العرب يعتمدون على الثمار ولكن بمرتبة تأتي بعد الأنعام .
وأما الحديث عن النحل ، فجاء متأخراً ؛ لأن حاجة العرب إلى العسل هي حاجة تكميلية ، وليست أساسية كالماء واللبن وشراب الثمار .
- وقد جاء ختم الآية التي تتحدث عن إنزال الماء وإحياء الأرض بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ؛ لأن الاعتبار بهذه الآية متيسِّر للجميع ، فالماء أساس الحياة ، وهذا لا يجهله أحد ، فيكفي السماع الواعي لينبهنا على آية نزول المطر وإحياء الأرض به .
وجاء ختم الآيتين اللتين تتحدثان عن كيفية تكوين اللبن ، وعن تصنيع الثمار بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ؛ لأن البحث في كيفية تكوين اللبن من بين فرث ودم ، هو بحث يحتاج إلى إعمال العقل في البحث العلمي ، ولا يقدر عليه أي أحد .
وكذلك ، فإن اتخاذ أشكال متنوعة من الرزق الحسن من الثمر ؛ كالخل والدبس وغيرهما مما يكثر تعداده ، يحتاج إلى إعمال العقل ؛ لأن مجال العبرة عند من يباشر التصنيع أكبر منه عند من يأخذ المنـتج جاهزاً دون النظر إلى مراحل الاستفادة من الثمار .
- وجاء ختم الآيتين اللتين تتحدثان عن إيحاء الله للنحل وعن نعمة الشفاء في العسل بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ؛ لأن إدراك أثر الإيحاء الرباني للنحل يحتاج إلى تفكر ولكن ليس بدرجة فهم كيفية خلق اللبن من بين فرْث ودم ؛ حيث يدرك كل من باشر تربية النحل أثر الإيحاء الرباني في حياة النحل ، ويعرف شفائية العسل كل من جرَّبه ، فهي آية تحتاج إلى تفكُّر .
وأما التعبير بـ( لقوم يعقلون) فيحتاج إلى إعمال العقل أكثر ، لأن آية الأنعام تتحدث عن كيفية تكوين اللبن لا عن أنه مفيد ، وكيفية التكوين تحتاج إلى إعمال للعقل بدرجة عالية ، ولم يعرف البشر – في حدود ما اطَّلعت عليه - كيفية هذا التكوين على الوجه التفصيلي العلمي إلا في هذا الزمن .
وكذلك فإن الآية التي تتحدث عن الاتخاذ من الثمرات ، يعني التصنيع ، ختمت بقوله تعالى ( لقوم يعقلون) ؛ لأنها لا تتحدث عن أكلها فقط ، حيث إن تصنيع الغذاء من الثمار ما زال متطوِّراً بتطوُّر العلم ، ولم يقف تطوُّره من زمن نزول الآيات إلى الآن ، فكلما زاد العلم زاد تطوُّر التصنيع الغذائي ، وكلما زاد تطوُّر التصنيع الغذائي ، كانت العبرة أكبر .
والحمد لله رب العالمين