بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس . .
الحمد لله الذي أكرم هذه الأمة بحمل رسالته الخاتمة للعالمين ، مكملة لمهمة الرسول الخاتم محمد في البلاغ والبيان والشهادة على الناس . .

أما بعد :

جعل الله تعالى رسالته الخاتمة نور يكشف به الظلمات ، ظلمات الشبهات وظلمات الشهوات ..
ومن هذا النور، أن الله تعالى ضمّن رسالته كل ما يمكن أن يلزم الأمة الخاتمة وتحتاجه للقيام بمهمتها ؛ إكمال الدين لله جل وعلا ، تطبيقاً وحملاً للرسالة والشهادة على الناس ، ومن ذلك بيان وعرض نماذج بشرية وحالات إنسانية يمكن أن تواجهها الأمة في سيرها حتى قيام الساعة : إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . الإسراء9

فكما هو معلوم ، أن ما ورد في القرآن الكريم ؛ الرسالة الخاتمة من ذكر للأشخاص أو الأماكن أو الأزمان . . ما هو إلا من باب أخذ العبرة ، أي من باب أنها حالات تمثل سنناً إلهية ثابتة لا تتغير ولا تتبدّل :
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً الأحزاب62
ومن هنا كانت القاعدة الأصولية في فهم كتاب الله تعالى : ( أن العبرة بعموم اللفظ [ النص ] وليس بخصوص السبب ).

فكان ذكرها في كتاب الله الخالد ، كأمثلة ونماذج بشرية للإقتداء بها إن كانت صالحة مُصلحة، كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن تبعهم بإحسان . أو لأخذ العبرة إن كانت من النماذج الفاسدة المفسدة كالطاغوت والفراعنة . . وكل مَنْ وقف في وجه الحق والهدى الآتي من عند الله تارك وتعالى .

هذا وإقامة الحجة على الناس – كما يُفهم من النظرة العامة للقرآن والسنة – تكون على مستويين :
الأول : مستوى البيان والتعليم ، وهذا لإزالة الجهالة عند المخاطبين بالقرآن .
الثاني : ويأتي بعد الأول ومبني عليه ، وهو مستوى الإفحام والبهتان فبُهت الذي كفر، أو المباهلة . . ومقصد هذا المستوى هو : القيام بأفعال وأقوال ( أعمال وخطاب ) ليس مقصدها البيان والتعليم بل إفحام المجادل بالباطل وإسكاته وقطع حجته .

هذا ، وعند خطاب الناس بالقرآن يُنظر في واقع المخاطَب وحاله ، فإن كان ظاهر حاله أو مقاله أنه جاهل يريد أن يتعلّم . . فدواؤه وعلاجه البيان والشرح والتفهيم بالتي هي أحسن :
- كما هي حالة الأعرابي الذي بال في المسجد , وكيف كان موقف رسول الله منه ، وموقف الصحابة الكرام . .
- كما هي حالة الأعمى الذي جاء يسعى ليتعلّم ، فعبس في وجهه الرسول فعاتبه ربه . .
- وأيضاً حالة الأعرابي الذي جاء رسول الله يطلب منه العطاء ، فأغلظ في القول . . وكيف كان موقف رسول الله منه ، وموقف الصحابة الكرام ، وتعليم الرسول لصحابته الحكمة في كيفية التعامل مع مثل هذه الحالات . .
- إلخ . .

فكان - في مثل هذه الحالات - الموقف الحكيم ، شرعاً وقدراً ، هو البيان والتعليم ، سواء كان المتسائل مسلماً أو كافراً ، إلا أن هنالك فرق بينهما يجب ملاحظته :
- أن المسلم ، الأصل في النظر إليه والتعامل معه هو حسن الظن : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ . . الحجرات12 ( التفسير الميسر )
- أما الكافر والفاسق ، فالأصل في النظر إليه هم التحقق والتبيّن قبل القيام بالأفعال أو الأقوال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ الحجرات6

أما كيف نعرف واقع الإنسان المُخاطَب ، فهناك إمارات ودلالات من حاله أو مقاله تكشف مقصده وإرادته غير الظاهرة ، وإن كان الأصل في التعامل مع الناس هو أخذ ظاهرهم ، لكن بوعي وحذر ، وليس ظناً أو شكاً بل على قاعدة : ( لست بالخبّ ، والخبّ لا يخدعني ) .
ومن هذه الإمارات والإشارات ( وقد تختلف في وضوحها وقوة دلالتها من شخص إلى آخر ) في قوله تعالى :
- وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ محمد30
- هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ آل عمران7
- وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً . . التوبة46
- . . إلخ

والآن ندخل إلى المستوى الثاني من إقامة الحجة :

وهو أنه بعد البلاغ والبيان ، وكشف اللبس بين الحق والباطل وبيان مصير المهتدي الطائع ومصير الضال العاصي . . وبعد التأكّد من أن المخاطَب قد عقل الخطاب ، ولم يرعوِ وينتهِ فعندها ، ننتقل إلى المستوى الثاني من إقامة الحجة والأصل فيه الإفحام و والبهتان والمباهلة ، والإنذار الشديد بعذاب الله . . وخاصة إذا كان الموقف علانية وعلى الملأ من الناس ، وليس لقاء خاصّاً أو فردياً، عندها أصبح الموقف له بعد عقائدي سياسي ، لأنه متعلّق بإظهار دين الله جلّ وعلا وإعلاء كلمته . . ومتعلّق بمن تجب له الطاعة والإتباع ، ألله جلّ وعزّ ، أم الذين من دونه ، ومن ثم فيأخذ بعداً جديداً عند التعامل معه – الإفحام والإسكات - غير بعد البيان والشرح ، أي البعد ( الأكاديمي ) إن جاز التعبير :

- كما في موقف خليل الله إبراهيم مع الذي آتاه الله المُلك ، الذي حاجّه في ربه ، أي في من هو سيده الواجبة له الطاعة والإتباع ، الله جلّ وعلا أم الذي آتاه الله المُلك ؟ فـ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ . قال الطاغية: أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ . . هنا، إبراهيم لم يدخل معه في شرح وبيان وتفصيل لإزالة الّلبس ، من أن ما قمت به هو القتل فقط وقد مكّنك الله ( قدراً و خلقاً ) من ذلك الفعل ، ولكنّ الله تعالى هو المحيي المميت . . الخ . . بل انتقل إلى مستوى آخر من إقامة الحجة ، وهو نقله إلى أمر خارج عن القدرة الإنسانية ، فلم يمكّن الله تعالى البشر من ذلك الأمر ، ألا وهو حركة الشمس : قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ البقرة 258 [فتحيَّر هذا الكافر وانقطعت حجته, شأنه شأن الظالمين لا يهديهم الله إلى الحق والصواب ].( التفسير الميسّر )
- مثال آخر ، وهي المباهلة في إقامة الحجة ، كما هي معروفة قصتها ، في عام الوفود مع وفد من نصارى العرب ، يرجى العودة إليها في مظانّها من كتب التفسير : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ آل عمران61 وحقيقة المباهلة ومقصدها هو : تحميل الإنسان المدّعي لقضية ما ، مسؤولية ما يدّعيه ، بمطالبته بالقيام بفعل أو قول بناءً على ما يدعيه ، لكشف مدى حقيقة قوله ، " فلكل قول حقيقة " ( جزء من حديث شريف ). حيث انسحب الكافرون المجادلون بالباطل فلم يقوموا بالمباهلة ، ومن ثم انكشف كذبهم وأخذهم العزة بالإثم أمام كل الناس ، من أهل المدينة المنورة ومن وفود العرب .

- ومثال أخير ، الموقف من الذي طغى على ربه ، بعد أن رأى الحق بيّناً واضحاً ، كما في سورة العلق :

1- ( الآيات 1-5 ) بيان حقيقة أن الله هو الرب الحق ، مذكراً بصفات ربوبيّته . . ومن ثم فهو الذي منه التلقي وإليه الخضوع والاستسلام ، فالرب في لغة العرب هو السيّد المطاع ، وأن هذا القرآن الذي يقرأه من الله وباسم الله ربه ورب كل شيء ومن ثم فإن قضية الإنسان هي العبودية لله تعالى والطاعة لأمره وحده ، فهو وحده المستحق للعبادة .
2- (الآيات 6-8 ) إلا أن الإنسان إذا أبطره الغنى وسيطر عليه الشعور بالقوة والاستغناء ، فان ذلك يصرفه عن العبودية لربه الحق ويدفعه لتجاوز حدوده ( الطغيان على أمر الله ) ، وليس ذلك فحسب ، بل يطلب الطاعة لنفسه من دون الله ! فليعلم كل طاغية متمردٍ على أمر الله عزّ وجلّ أنّ المصير إلى الله .
3- ) 9-13 ) وعليه ، تُكشف حقيقة موقف الطاغية ببيان دوافعه ، أمام الناس ، وإنّها ليست البحث عن الحقّ أو الوصول إليه وإنّما الطُغيان والتكذيب من أجل مصلحته الخاصّة ، فهو كاذب وخاطئ ، ويحارب الحق وأهله. وهذا الطاغية إن تمادى ولم يتب ولم يرتدع ، تأتي مرحلة أخرى :
4-(14-18) إعلام الطاغية - ومن تبعه - بحقيقة أنّ الله عزّ وجلّ بسمعه وبصره محيط بأعدائه وأعداء عباده الذين يحملون الدعوة إليه جلّ وعلا ، وإنذاره وتهديده بما له عند الله تعالى من عذاب جزاء طُغيانه وكذبه ، ومنعه الناس منن عبادة الله . . تهديده بعذاب الله تعالى فهو يسمعه ويراه ، ولن يغني عنه ماله أو سلطانه من عذاب الله شيئاً .
5- ومن ثم ، تذكير المؤمنين بأن الله هو الإله الحق ، وهو يسمع ويرى ما يحدث لهم . ونهيهم عن طاعة الطاغوت - الذي يطلب الطاعة لنفسه من دون الله - فلا ينصاعوا لأمره في نهيه عن عبادة الله . بل عليهم الإستمرار في طاعة الله تعالى مستعينين بالله متقربين إليه عزّ وجلّ بكثرة السجود . ( أنظر: الهدى المنهاجي في سورة العلق . د الشاهد البوشيخي ) .
[ وإذا ائتسينا بفعل الله تعالى يجب أن يتدخل الإعلام لصالح أهل الإيمان، فيظهر أن ما هم عليه هو خير ما يكون عليه بشر، وأن ما يُفعل بهم هو أسوأ ما يمكن أن يُفعل ببشر مستقيم على الهدى ] . ( الهدى المنهاجي في سورة العلق ، د الشاهد البوشيخي )

- . . إلخ . .

والمقصود هو الإشارة والتذكير إلى ضرورة الإنتباه إلى واقع الإنسان الذي يثير الشبهات ، فإن كان واقع حاله أو لسانه يُنبئ أنه جاهل ، فالأصل في التعامل معه البيان والتعليم ، مسلماً كان أم فاسقاً ، لكن مع ملاحظة أن الأصل في التعامل مع المسلم هو إحسان الظن، والكافر والفاسق هو التبيّن .

أما إن كان واقع الإنسان الذي يثير الشبهات أنه يتبع ما تشابه من الآيات ، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها . . فلتعلموا أن في قلبه زيغ عن الحق ، ومن ثم فلا يكون الموقف منه الدخول معه في التفاصيل والشرح والبيان . . بل الأصل الإنتقال إلى المستوى الثاني من الحجة إلى الإفحام والبهتان والإنذار بعذاب الله ( أنظر ، مثلاً ، الآيات 1-12 ، 107 من آل عمران ) . . ووصفه على حقيقته وواقعه وحسب الحالة أو النموذج المشابه له مما ورد ذكره في كتاب الله جلّ وعلا وسنة نبيه الخاتم .

هذا والله أعلم ، وأجلّ وأحكم . .

والحمد لله رب العالمين